محيي الدين شجر يرد على تعقيب المواصفات / بين سيادة القانون وواجب الدولة: من يتهرّب من تنفيذ الالتزامات؟
محيي الدين شجر يرد على تعقيب المواصفات / بين سيادة القانون وواجب الدولة: من يتهرّب من تنفيذ الالتزامات؟
بقلم: محيي الدين شجر
قرأتُ باهتمام بيان وزارة شؤون مجلس الوزراء – الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، المعنون بـ «بين الحق المشروع والفعل المرفوض»، والذي جاء رداً على مقالي السابق حول ملف (35) وظيفة عمالية بولاية البحر الأحمر.
وإذ أقدّر حق أي مؤسسة في توضيح موقفها، فإن البيان – مع الأسف – لم يقدّم إجابة جوهرية عن السؤال الأساسي، بل التفّ حوله، ووسّع الدائرة، وخلط بين المبادئ العامة والوقائع المحددة، في محاولة واضحة لإعادة تعريف أصل المشكلة.
أولاً، لا خلاف – كما ورد في البيان – حول سيادة القانون، ولا حول رفض تعطيل المؤسسات العامة. هذه مبادئ بديهية لا تحتاج إلى تذكير.
لكن الخلاف الحقيقي، الذي تجاهله البيان، يتمثل في سبب وصول الأمور إلى هذه المرحلة، ومن يتحمل المسؤولية المباشرة عن انفجار الغضب الشعبي.
القضية المطروحة ليست طلب توظيف خارج القانون، ولا استجابة لضغط آني، بل تنفيذ التزام رسمي موثق:
اتفاق أُبرم في العام 2022 مع نائب رئيس مجلس السيادة آنذاك.
خطابات رسمية متتالية من ولاة البحر الأحمر.
مخاطبة صريحة من المدير العام الحالي للهيئة – حين كانت مكلفة – تطلب فيها كشوفات العمال وتحدد الوظائف.
كشف معتمد يضم أبناء جميع محليات الولاية، بشهادة الوالي الحالي.
هذه ليست “ضغوطاً خارج الإطار المؤسسي”، بل ملف إداري مكتمل الأركان.
والسؤال الذي لم يجب عليه البيان:
ما هو السند القانوني الذي يبرر تجميد هذا الالتزام حتى اليوم؟
الحديث عن أن ولاية البحر الأحمر نالت (34) وظيفة في 2021، مقارنة ببقية الولايات، هو خلط متعمد بين مسارين مختلفين:
تلك تعيينات عبر لجنة الاختيار.
وهذا ملف عمالة مرتبط باتفاق سياسي–إداري محدد لم يُلغَ ولم يُنقَض.
الحقوق لا تُلغى بالمقارنات، ولا تُسقطها الإحصاءات.
أما القول بأن قائمة (35) وظيفة “برزت في سياق سياسي”، فهو توصيف انتقائي يتجاهل حقيقة أن أغلب ملفات التوظيف في السودان جاءت في سياقات سياسية، ومع ذلك تم تنفيذها، لأنها تحوّلت إلى التزامات رسمية.
فلماذا يصبح “السياق السياسي” عيباً فقط عندما يتعلق الأمر بشرق السودان وأبناء البجا؟
الأخطر في البيان، هو تحميل الغضب الشعبي وزر “الفوضى”، دون الاعتراف بأن المماطلة هي الوقود الحقيقي للاحتقان.
أما ما ورد في بيان الهيئة بشأن ظهور “مجموعات عديدة” اعترضت على قائمة العمال، فإن هذا التبرير – مع الاحترام – لا يصلح سبباً لتعطيل تنفيذ الالتزام.
فالاختلاف حول القوائم أمرٌ مألوف في كل ملفات التوظيف العامة، ويُعالج وفق الإجراءات الإدارية المعروفة، لا بتجميد الملف بالكامل وتركه معلقاً لسنوات.
إن مسؤولية فحص الاعتراضات، والتحقق من استيفاء الشروط، واعتماد القوائم النهائية، تقع حصراً على عاتق الجهة المختصة، ولا يجوز نقل عبء الخلافات الاجتماعية أو المحلية إلى أصحاب الحق، أو استخدام تلك الاعتراضات كذريعة لتعليق قرار سبق الاتفاق عليه واعتماده رسمياً.
ثم إن القول بظهور “مجموعات أخرى” يظل توصيفاً عاماً غير مسنود بتواريخ أو قرارات إلغاء أو خطابات رسمية، وهو ما لا يكفي قانوناً لإسقاط قائمة قائمة، أو تعطيل تنفيذها، ما لم يثبت وجود خلل موضوعي أو مخالفة صريحة لشروط التوظيف.
ولو سُلّم بهذا المنطق، لما نُفّذ أي تعيين في السودان، لأن كل كشف توظيف – دون استثناء – يقابله اعتراض أو مطالبات موازية.
لكن الدولة تُدار بالقرار، لا بتعليق القرار.
وعليه، فإن الاعتراضات – إن وُجدت – كان يجب أن تُفصل فيها وفق القانون، لا أن تتحول إلى شماعة لتأجيل استحقاق معلوم، وإبقاء الملف مفتوحاً بلا سقف زمني.
الدولة التي لا تنفذ التزاماتها، ثم تلوّح بالقانون عند انفجار الأزمة، تفقد موقعها الأخلاقي قبل الإداري.
نعم، إغلاق الهيئة مرفوض.
لكن رفض الإغلاق لا يعفي من مسؤولية أسبابه.
كان بوسع الهيئة، خلال أكثر من أسبوع من التتريس، أن:
تصدر بياناً توضيحياً في حينه،
أو تفتح قناة تواصل،
أو تعلن جدولاً زمنياً للحل.
لكنها اختارت الصمت… ثم اختارت لاحقاً خطاب الوعظ القانوني.
إن أخطر ما يواجه الدولة اليوم ليس التتريس، بل تآكل الثقة.
والثقة لا تُبنى بالبيانات الإنشائية، بل بتنفيذ الالتزامات، واحترام تعهدات الدولة لمواطنيها، دون انتقائية أو تسويف.
إنصاف أبناء البجا في هذا الملف ليس استثناءً ولا محاصصة، بل اختبار حقيقي لجدية الدولة في إدارة التنوع والحقوق بعدالة.
أما التلويح الدائم بـ”هيبة الدولة” دون إنفاذ واجباتها، فلن يحمي الدولة… بل سيُضعفها.
الفرق بين الحق والفوضى، نعم، هو احترام القانون.
لكن الفرق بين الدولة العادلة والدولة المأزومة…
هو احترام التزاماتها.