35 وظيفة عالقة تشعل البحر الأحمر/ لماذا تتجاهل المواصفات حق أبناء البجا؟

35 وظيفة عالقة تشعل البحر الأحمر/ لماذا تتجاهل المواصفات حق أبناء البجا؟

بقلم: محيي الدين شجر
في تقديري المتواضع، وبعد الاطلاع الدقيق على حيثيات قضية الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس بولاية البحر الأحمر، فإن ما يجري حالياً من إغلاق وتَتْريس لمقري الهيئة بحي المطار والسوق، ليس حدثاً طارئاً ولا فعلاً عبثياً كما يحاول البعض تصويره، بل هو نتيجة طبيعية لتراكم ظلم واضح ومماطلة غير مبررة في تنفيذ استحقاق قانوني معلوم.
قضية تعيين (35) عاملاً من أبناء ولاية البحر الأحمر ليست جديدة، وليست محل اجتهاد، بل هي التزام رسمي ثابت بموجب اتفاق سابق أُبرم في العام 2021 بين الهيئة ونائب رئيس مجلس السيادة حينها محمد حمدان دقلو، وهو اتفاق لم يُلغَ، ولم يصدر ما ينقضه، بل جرى تأكيده لاحقاً بخطابات رسمية متتالية من ولاة البحر الأحمر السابقين والحاليين.
الأدهى من ذلك، أن المدير العام الحالي للهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، الأستاذة رحبة محمد سعيد، كانت هي ذاتها قد خاطبت والي البحر الأحمر في العام 2022 – عندما كانت مكلفة بالمنصب – طالبةً إرسال كشف العمال لاستيعابهم، وحددت الوظائف والشروط بوضوح.
فما الذي تغيّر؟
وأي مبرر إداري أو قانوني يجعل هذا الملف يُجمّد حتى اليوم؟
لقد اطلعت على خطاب رسمي من والي البحر الأحمر الأسبق فتح الله الحاج أحمد موجّه للهيئة، مرفق به كشف (35) وظيفة عمالية، كما اطلعت على خطاب آخر حديث من والي البحر الأحمر الحالي الفريق الركن مصطفى محمد نور، يؤكد فيه صراحة أن الكشف المرفق يضم أصحاب الحق من جميع محليات الولاية، ويطلب اتخاذ ما يلزم فوراً.
إذن نحن أمام ملف مكتمل الأركان:
اتفاق سابق – خطابات رسمية – كشوفات جاهزة – وظائف محددة.
فلماذا هذا التلكؤ؟ ولماذا يُدفع المواطن البسيط إلى أقصى درجات الغضب؟
وهنا يبرز سؤال مشروع، عبّر عنه العمدة علي قنوب بوضوح:
لماذا لا ينال أبناء البجا حقوقهم إلا عبر الإغلاق والتتريس؟
سؤال موجع، لكنه يعكس واقعاً مؤلماً في إدارة كثير من الملفات الخدمية والحقوقية في الإقليم.
نعم، إغلاق الهيئة وتَتْريسها يضر بالاقتصاد القومي ويعطّل مصالح البلاد، وهذه حقيقة لا جدال فيها، لكن الحقيقة الأهم هي أن المماطلة في تنفيذ الحقوق المشروعة هي التي قادت إلى هذا الوضع.
لا يمكن تحميل الضحية مسؤولية الفعل، بينما السبب الأصلي قائم ولم يُعالج.
الأكثر غرابة واستغراباً، هو الصمت الكامل لإدارة المواصفات والمقاييس تجاه هذا التتريس الذي استمر لأكثر من أسبوع، دون بيان، دون تواصل، ودون حتى محاولة امتصاص الغضب أو شرح الموقف للرأي العام.
وهذا صمت لا يليق بمؤسسة قومية ذات تأثير مباشر على حركة التجارة والاقتصاد.
القضية – وبكل وضوح – بسيطة للغاية، ويمكن حسمها “بجرة قلم”، إذا توفرت الإرادة.
أما تعقيدها، فهو تعقيد مصطنع لا يخدم أحداً، بل يهدد السلم المجتمعي ويعمّق فجوة الثقة بين الدولة ومواطنيها.
إنصاف أبناء البجا في هذا الملف ليس منّة، بل حق.
وتنفيذ توجيه استيعابهم واجب إداري وقانوني وأخلاقي.
وأي تأخير إضافي، هو بمثابة إشعال نار تحت الرماد، لا أحد يضمن مآلاتها.