رسالة من قلب أب: في الذكرى الأولى للشهيد مقدم محمد نبيل.. الشامة والشهامة لا تموت
الذكرى الاولى للشهيد الشامة والشهامة ،، مقدم محمد نبيل
(بونى)
٢٦/يناير ٢٠٢٥
بقلم / نبيل محمود
عند شروق شمس اول نوفمبر ،، يظهر رقم هاتفه المميز 123596459حيث يتميز بتكرار الرقم (59) الذى ظل ملازما له منذ التحاقه كطالب حربى ،، جامعة كررى فى ٢٠١١ معتدل مارش مع الدفعة(59) .. سلام ياكمندان ،، ياتى صوته مطمئنا صباح الخير ياحاج ،، انا وصلت استوب الشاحنات وداخلين على بورسودان ،، هكذا يفعل دوما ،، من غير ميعاد ياتى وبدونها يعود ،،
الحضور هذه المرة كان مختلفا ،، فقد جاء يقود سيارته الخاصة من الخرطوم ،، وما ادراك الخرطوم يومها ،، اطل علينا صباحا يلبس الميرى ،، وتزدان النجوم على كتفه ،، بطلعته البهية ،، وقامته العسكرية ويظهر علي قسمات وجهه الوسيم ،، بعض من غبار المعارك والسفر ،، كانت هى المرة الثانية التى ياتى إلينا فى البزة العسكرية منذ التحاقه بالكلية الحربية ،، المرة الاولى كانت عندما جاء قبل ستة أشهر ، بالكاكى الاخضر يمشى بالخطوة السريعة والدنيا لا تسعه والفرحة تملا وجهه ،، لرؤية (مصدق) الذى أقر الله به أعيننا وسماهو على رفيق عمره ،، وسميته (اسامة) على اخ حبيب قد رحل ،، وذبحنا الذبائح يومها ،، احتفالا واحتفاءا بقدوم (شكابالا ) اول الاحفاد .. فقد تعودنا منذ التحاقة بالكلية ان ياتى كل عام فى اجازة قصيرة يقضيها بيننا بالجلباب (على الله) ويلبس (المركوب) ويصبح ملكى يتخلله بعض من هيبة العسكر ،، يهاظر اخوته يتابع اخبارهم ،، يبادلونة محبة واحترام ،،واذكر فى اغسطس ٢٠٢٣ عند انقطاع الاتصال مع اخوته (محمود،،عاصم) يوما كاملا فى عرض البحر ،، عند منطقة (الرقبة) على ساحل البحر الاحمر ،، وتداولت الميديا الخبر الحزين ،، اشفق الفتى من (ام درمان) على اخوته واتصل معى مباشرة ،، ماذا هناك ؟ وماذا دهى البحر ؟ وكانت الجموع وقتها ترفع الاكف لله ،، يا جامع يارقيب ،، كان يحاول جاهدا ان يكون ثابتا ليفهم تفاصيل مايجرى ،، ويرجو ان نكذب له الخبر ،، وظل ليلته صاحيا يبكى فى صمت وهو بعيد ،، مجهزا نفسه للحضور إلينا صباحا داعما ومساندا ،، ويبكى فرحا عندما جاءت البشريات فجرا بوصولهم امنين الى جزيرة(سلاييت) شمال بورسودان ،،
انتهت مأمورية النقيب (محمد نبيل) وبهدؤه المعهود كضابط جيش محترف عليه ان يعود الى مسرح العمليات فالحصة ما زالت وطن ،، وشاءت الظروف ان يتزامن سفرنا سويا منتصف نوفمبر ،، شخصى وحسن المجرى لحضور مناسبة فى حلفا الجديدة والفتى يقود سيارته صوب قاعدة وادى سيدنا الى رفاق الخنادق والبنادق والمدافع ،، وقتها الجيش كرب وسيطر على محور الجزيرة وسنار وجبل موية ،، وخلاص الجياشة جوا عشان يحرروا الخرطوم ،، وانهم مهما تاخروا فانهم ياتون ،، لتحرير رمزية الجيش ،، وقلعتهم الحصينة وفكوا حصار القيادة العامة عنوة واقتدارا ،، وارتفعت الاعلام يومها فى كل انحاء البلاد ،، هذه الأرض لنا ،، الوقت كان عصرا ،، رجال الطرق الصوفية يجمعون حيرانهم لاحياء ليلة الإسراء والمعراج فى ٢٧رجب ،، وشمس ذاك اليوم تأذن بالغروب ،، ياتى صوت من الميدان ،، يشق اعماق السكون ،، ينساب همسا بالموبايل ،، يجمع (فتى الجيش) كل شجاعته وشهامة الفراس ،، وتعجز عنده الكلمات فما اقسى على القلب نقل خبر عزيز قد مات ،، خبر يعلم قدره ومقداره ،، سيهز البلد من حلفا الى بورسودان ،، هل رحل الشهيد وانطوى العلم ؟ اللهم افرغ علينا صبرا جميلا ،، فانى ما بايعت بعد محمدا رجلا وما بكيت الا على الشهداء
كان وقع الخبر قويا على زملاء الدفعة(٥٩) التى كم حكى الفتى عنها بكل شجون ،، كانت من اكبر الدفعات التى تم استيعابها فى الكلية الحربية بعد فصل الجنوب فى ٢٠١١ ،، وطن النجوم يجمعهم ،، الكاكى الأخضر يشبهم ،، وطن شامخ بالعزة رباهم ،، هزهم خبر الشهيد فصاروا يسابقون الزمن الى المستشفى يضمدون الجراح ،، يطلبون الإسعاف من شندى احتياطا ،، حيث لابد من بورسودان وان طال السفر ،، حتى تهدا النفوس التى اتعبها الانتظار ،، ويستريح الجسد المنهك فى مرقده هناك جوار الاحباب فى ثغرها الباسم ،، فى المدينة التى احبها وترعرع فى حواريها ودرس فيها كل مراحل تعليمه ،، وما زلت اذكر يوم اعلان نتيجة امتحان الشهادة السودانية فى العام ٢٠١٠ ،، وتحصل على نسبة نجاح 82% قولت له مازحا (عارف يا بونى) النسبة دى والله ما جابا اول السودان فى زماننا ،، وكنت امنى النفس ان يدرس القانون فى جامعةالخرطوم ،، كان الفتى قد حدد وجهته صوب عرين الابطال ومصنع الرجال الى (كررى) التى تحدث عن اسود كالجبال الضارية ولعلها الأقدار شاءت ،، ان يكون (بونى ) سيفا سنينا سعيناه ،، ليوم كهذا يصد عنا (الأعداء والاوغاد والاوباش) ويرتقى شهيدا ليكون شفيعا لنا يوم الحساب بإذن الله ويسطر فى التاريخ لوحة من نور على جدار ،، ام درمان وشندى وجنوب كردفان وجنوب دارفور ،، فقد عرفت تلك الفيافى (محمد نبيل) فارسا من الفرسان ،، دخل مع الجيش ابوكرشولا وشهد معارك الجنينة ،، وكانت بورسودان هى اخر منطقة يعمل بها الفتى قادما من الجنينة فى يناير ٢٠٢٣ وافرحنا عودته واخيرا جاءت استراحة المحارب ،، ويومها تحول منزله فى بورسودان ملاذا ياوى له رفاق السلاح والدراسة ،، واصدقاء الطفوله ،، يجدوا فيه الدوحة الظليلة ،، التى يستظلون تحت ظلالها ،، وزادت المسؤلية والمهام ،، عندما اختارت الحكومة بورسودان مقرا لها وعاصمةادارية للبلاد بعد عدوان الجنجويد ،، وكان الفتى لها فهو ابن بورسودان ،، ومن واقع مسؤليته سلما وحربا ،، اصبح ظهيرا لهم ،، مشوار يومى للمطار او السوق الشعبي لاستقبال ام شهيد قادمة ،، تقديم اوراق فى القمسيون لجريح مسافر ،، استخراج جوازات السفر ،، استقبال جرحى العمليات ،، حتى غادرها الى ام درمان فى رابع ايام عيد الاضحى المبارك ،، يوم دوى النداء بان الحصة وطن ،، وتفاءل بقدومه الرفاق ،، فقد حرروا الجزيرة يومها ودخلوا ودمدنى فاتحين 🇸🇩
صباح يوم تحرير القيادة العامة فى ٢٦يناير ٢٠٢٥ ،، الذى تزامن مع ذكرى تحرير الخرطوم فى ٢٦يناير ١٨٨٥ ،، سجل الفتى اسمه فى دفتر حضور حفل النصر ،، مع ابناء الدفعة وشدد عليهم أن لا يسبقوه فى تناول الفطور ،، حضر الشهيد الى القيادة العامة ،، يحمل ما لذا وطاب من الطعام وبكميات كبيرة ،، فقد كان من طبعه الوفاء والكرم ،، وشارك حفل النصر مع الرفاق بالتهليل والتكبير ،، وكمبلوا وعرضوا ،، (وما شوفنا الأسد بيلاعب الجاموس وماشوفنا المرق يدخلو عرق السوس) ،، ودعوا الدفعة عند نهاية الحفل بنفس رحابة الاستقبال للعودة الى (القاعدة) قبل الغروب ،، الشارع كان امنا الأرض لهم ،، سيارة الاعلاميين تخرج من القيادة اولا وتتقدم الموكب ،، عشرات السيارات تتبعها ،، يلوحون بالاعلام ابتهاجا بالنصر المؤذر ،، سيارة الفرسان تدخل الموكب سالكة نفس الطريق ،، وكان الاشرار ينسجون خيوط المؤامرة ،، للغدر بالفراس من جيوب القناصة من لم تتكسر عظامهم بعد ،، لقد غدر الاوغاد تاتشر الجيش ،، وما كان للاوباش مواجهة الرجال ولا النيل منهم الا من خلف الجدران ،، ويصطفى المولى سبحانه وتعالى الشهداء ،، سقط الفتى جريحا ،، وسقط اثنين من الفرسان شهداء ،، وسآلت الدماء الذكية مختلطة مع جروف الخرطوم تحكى للأجيال ،، (ان للاوطان فى دم كل حر يد سلفت ودين مستحق 🇸🇩
وفى مشهد اخر ،، كان اهل بورسودان التى احتضنت بحب كل من قدموا اليها جراء العدوان يغطيها حزن نبيل 🥲 حيث بلغت الفجيعة عندهم منتهاه ،، يتقبلون التعازي فى صبر جميل عند منزل الشهيد فى الثورة مربع (١٦) ويمتد الى صيوان العزاء فى مسجد الايمان الذى امتلا بالجموع المنتشرة والمحتشدة تترقب فى صمت ،، وتسأل فى همس ،، عن حدث غير مسبوق ومالوف لديهم ،، يسألون فى لهفة وحزن ؟ متى ستاتى الطائرة من ام درمان ،، الميديا تشتعل ،، الساعة قاربت الرابعة عصرا ،، الانظار تتوجه الى السماء ،، المطار اصبح قريبا ،، صافرات الاسعاف تدوى ،، اجهش الجميع بالبكاء اسفا عند وصول الجثمان بيت الشهيد ،، فقد كان الشهيد بينهم فتى نسيج وحده ،، خيارا من خيار بين الاهل والاحباب ،، سمح الخصال ادبا وخلقا ،، ويتحرك الموكب المهيب الى مقابر السكة حديد ،، يتقدمهم قائد المنطقة العسكرية ،، سلام عليكم (محمد نبيل ) فى عليين ،، فى طلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرةلا مقطوعةولا ممنوعة بإذن الله تعالى . 🌹