سكن الليل .. وفي سكون الليل تختبيء الأحلام… هيثم جنابي وعطاء السنين الثر..

سكن الليل .. وفي سكون الليل تختبيء الأحلام…

هيثم جنابي وعطاء السنين الثر..

د. عثمان ابوشوك

لست ميالًا لأن أتناول قضايا تتعلق بالشأن العام في ذروتها حين تتناولها الأقلام قدحًا ومدحًا وقناعتي سوف تصفو الليالي بعد كدرتها وينجلي غبار المعركة ساعتها يمكن أن يتم التقييم بشكل منطقي ومثالي بعيدا عن الشطط والتسرع…

إن ترجل الأستاذ المبدع هيثم عمر جنابي من صهوة جواد هيئة الإذاعة والتلفزيون بولاية البحر الأحمر سيبقى مثار جدلٍ ليس لما يحمله الأستاذ هيثم من مزايا وسمات تجعله رئيسًا لدولة أو ربما لقارةٍ بأكملها…

وحين يتعلق الأمر بالكتابةٍ عن الرجال وهذه الكلمة أعنيها بكل دلالاتها تستعصي المفردة وتتوارى الأحرف….
هيثم ليس شخصًا عاديًا بل شيال تقيلة ينوء بحملها دون أنين وتذمر ولا تسمع له صوت

في منتصف العام1994 وكانت إذاعة البحر الأحمر تعانق الأسماع البكرة في وديان ووهاد ومرتفعات البحر الأحمر بريفها ودساكرها وقراها البعيدة كنا ورهط من الزملاء نختبر الأصوات لإضافة كوكبة جديدة للعمل في مجالات الإذاعة المختلفة.. مذيعين.. فنيين.. برامجيين…
حامد الناظر الشاعر والأديب والإذاعي العالمي الآن وهو فخرنا وعزنا كان موهوبًا وهو لم يزل غض الإهاب في إتحاد الأدباء والفنانين بالبحر الأحمر وكان الإبداع الحقيقي في ذلك الزمن البهي حين يغني الزميلان الإذاعيان عثمان شلكاوي (إنصاف) أيقونة التاج مكي ويعقبه السر عثمان فضل الله في شدو شجي وهو يغني لمحمد ميرغني… وفي الأثناء يتوهط الفنانون عادل مسلم ومحمد البدري على كراسي الإستماع في مسرح الإتحاد الذي رفد الفن السوداني بفطاحلة الغناء والفن الأصيل.. في هذه الأثناء والثغر مترعة ومتخمة بالإبداع… أطل هذا الفتى اللطيف هيثم عمرجنابي بمعية حامد الناظر وهما صديقان حميمان لا يفترقان تتجسد فيهما ثنائية ميرغني المأمون وأحمد حسن جمعه…. حامد الناظر عانق الميكرفون بشغف وحب وهيثم إنتبذ مكانًا شرقيًا وولج للإستديوهات مثل غيمة تعانق السفوح نحن نتحدث بالألسن وهو يتحدث بالأنامل مثل عازف آلة القانون على جهاز المكساج وأشرطة الريل الكبيرة.. وكان للأحباب أحمد النيل وعباس محمود والحاج محمد الحسن قباطنة على دفة سفينة الإذاعة والتي وُلدت بأسنانها والراحل لويس دينق يطرز بخطواته الواثقة جغرافيا محطة الإرسال والأستديوهات بحي محلج الأقطان خلف المكبس حيث كانت صرخة الإذاعة الأولى في ذاك المكان…
هيثم شخص مثل قارورة العطر حتى لو نفد عطرها تجدها تحتفظ باريجها وشذى محتواها.. هيثم خلال فترة وجيزة صار عازفًا ماهرا ويعمل لمفردة في عمل صولو متناغم مع روعة برامج تلك الفترة وبصحبته الراحل المقيم عبد المجيد طه أمفريب… بدأت الاذاعة قوية وكان حظها من الإستماع عاليًا بعد أن كانت ولاية البحر الأحمر شبه محرومة من البث الإذاعي والتلفزيوني قبل ثورة الستلايت…. عاشت الإذاعة عصرًا ذهبيًا مجيدًا وكعادة المؤسسات فى السودان المغضوب عليه بفعل أبنائه العاقين بدأت الإذاعة تتراجع القهقري وهجرتها حناجر بفعل الخناجر منهم من قضى نحبه ومنهم من يمم شطر أماكن أخرى بحثًا عن تقدير وكسبًا للقمة عيش تسد بطون زغب حواصل وشخصي كان أولهم…. ظل هيثم مرابطًا مثل حارس يسهر لحماية مناجم ويغسل عينيه بماء الثلج ليبقى يقظًا وهو يعلم أنه يحرس مطمورة شبه فارغة إلا من حفنات ذره (معتتة) لا تسمن ولا تغني من جوع ومعه زملاء وزميلات آخرين يناضلون مع هيثم حتى كتابة هذه السطور…

هيثم خريج الإعلام والقانون والمتحدث اللبق والحاصل على القيد الصحفي والشهادات العليا والدورات المتقدمة… ظل ممسكًا بعصا المسؤولية المحمرة من الحريق والحرق إكتوى في ظل سياسات تعسفية وقهر ممنهج حيث لم يترق في درجاته الوظيفية ورصفائه في ذات المؤسسة وغيرها يحظون بالترقي… وهيثم لا يتودد ولا يستجدي مثل معظم اللذين يصفون أنفسهم بإعلاميين وهم مجرد أقزام لا يجيدون إلا لغة التزلف والتقرب والإنبطاح يمرغون جباههم في رماد الرذيلة والغواية…

ظل هيثم جوكرًا في حوش الإذاعة مثل آلة الإيقاع تصاحب أي معزوفة وهو درويش متجول مرة مخرجًا ومديرًا وتارة يصب الوقود في خزان المولد وميكانيكيًا يستلقي تحت السيارة… ومن يدري أن هيثم كاتبًا وأديبًا بارعًا وصحفيًا عميقًا إن كتب فهو يطرب ولا يقل عن المنفلوطي وحسين خوجلي والأستاذ محمد أحمد عبد القادر….

في هيثم يتجلى التواضع في أبهى صوره وأجمل غلالاته صامتًا مؤدبًا نقيًا مثل قطرة الندى على خدود الياسمينه… تسنم مواقعًا كبيرة حتى بدأ الهرم عليه وهو لم يزل شابًا إحتل الشيب نواصي رأسه من الجبهة حتي منابت الشعر في عنقه.. ويقيني أنه الإعلامي الصدوق المتجرد حينما يصاب بمتلازمة الإدمان والجنون الواعي وربما أغلب الإعلاميين في بلادي يموتون واقفين مثل شجر الأبنوس وحزنهم تحت بشرتهم وجلودهم لا يرى ولا حياة لمن تنادي…
أتحدى إدارة الأراضي بالبحر الأحمر أن إخرجت مستندًا صغيرًا يشير إلى أن هيثم عمر جنابي يمتلك مليمترا واحدًا في مدينة بورتسودان وهو الذي أزعج السلطات سنينًا لتسجيل موقع الاذاعة والتلفزيون الحالي رسميًا وقد تم ما أراد …. ظل عفيف القلب والوجه واللسان تحاصره الأزمات والإحن فقط يبتسم ويمضي قدمًا…. في عهده إنتعشت الإذاعة ومن ثم القناة الفضائية رغم ضيق اليد وبخل الحكومة على الصرف على الإعلام.. وظل الإعلاميون الصادقون نهبًا لقسوة الظروف والأيام وشظف العيش وهذا لن تجده إلا في السودان بلد العجائب الذي يحتفي بأنصاف المواهب وأصحاب الهرطقة والضجيج. بلد يحتفي بالغث والواهن…. يتسلطن فيه كتاب المديح والمتسلبطين المتعشلقين على أبواب الساسة حارقي البخور وعديمي الضمير…

ظل هيثم مديرًا ليس تقليديًا ذلك المدير الذي يغلق أبوابه ويلبس جلبابا بمقاس كبير… هو مدير في أي مكان إلا في بيته المحروم من وجوده اذ يقضي جل يومه راكضًا خلف هموم الهيئة التي لا تنتهي والتعقيدات والعقبات التي تعترض سيرة ويتجاوزها بالصبر والاناة وطول البال….

إلى متى يظل أهل الإعلام مطية ؟! دون أن يجدوا من يحس بهم… وكل الحكومات للأسف لا يهمها من الإعلام إلا الحضور في المناسبات وأمام الكاميرات والمايكرفونات ليمطرونا بسخيف حديثهم وجهالتهم وضعيف فهمهم وإستيعابهم… ورغم ذلك يطاردهم الإعلام الموجوع وهم في غيهم سادرون…

بعد الحرب ظل هيثم يقظًا وقف على تلفزيون السودان القومي وكل إحتياجات الزملاء في الخرطوم واللذين يأتون لمهام أخرى يجدون هيثم دومًا في الإنتظار والترقب وهكذا هم أهل بورتسودان بطبعهم وكرمهم..

حسنًا فعلت إذاعة بلادي وهي تقوم بتكريم الزميل هيثم تقديرًا لدوره ومجهوداته العظيمة….

كتابتي هنا عن هيثم ليس لأنه ترجل من إدارة الهيئة أو تم تغييره في عمل روتيني وأنا أنعيه…. على العكس أنا كنت من أول الفرحين والسعداء الممتنين لمغادرته هذا الموقع والذي خصم منه كثيرًا وأن حواء السودان لم تعقر هنالك كثيرون غيره لم تتح لهم الفرص في تسنم مواقع مثله..
هيثم مثل المطر حتى وإن هطل في الصحارى ينعش الأجواء…

إن ثقافة التكريم هي فعلًا مهمة وتعتبر تقييم وإحترام… لكنها لم تعد عملية في ظروف معيشية معقدة… أبحثوا عن سبل أخرى يتم بها التكريم والإحتفاء بعيدًا عن الوشاحات والدلاقين والشهادات التقديرية وغيرها…

ومن هنا أطالب مجلس السيادة ممثلًا في رئيس مجلس السيادة وكل حكومته وأخص أيضًا الأخ الوزير خالد الإعيسر وحكومة البحر الاحمر في كل قطاعاتها أن تكرم الزميل هيثم جنابي تكريمًا يليق بعظمة إجتهاده وجهاده وصبره ومثابرته….وعلى الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون الإستفادة من قدرات وإمكانات الأستاذ هيثم ….

تحياتي للأخ أحمد جلكسي بتنصيبه مديرًا عامًا للهيئة ونحن ننتظر منه الكثير لينصف الإعلاميين وكل العاملين في الحقل لنيل حقوقهم ومستحقاتهم قبل أن يعاف القادمون هذه المهنة الطاردة ويعمل على التطوير وصقل مهارات العاملين بالمعرفة والتدريب والمواكبة…..

د. عثمان ابوشوك