الصحفيون في السودان لم تُقصف صحفهم وحدها، بل قُصفت حياتهم ذاتها.
تعويضات الصحفيين
كتب: عمار سيداحمد شليعة (مدير سابق للجيولوجيا)
الصحفيون في السودان لم تُقصف صحفهم وحدها، بل قُصفت حياتهم ذاتها. قُصفت بيوتهم وهم بداخلها، فانهار الأمان فوق رؤوس أسرٍ لم ترتكب ذنبًا سوى أنها سكنت مدينة تُباد. رُوِّعت الأمهات، وارتجفت القلوب، وارتعب الأطفال حين كانت الدانات تمر فوق رؤوسهم الصغيرة، تصمّ آذانهم وتخلع أرواحهم، وهم يتشبثون بآبائهم وأمهاتهم في عناقٍ يشبه الوداع، كما حكى لنا أستاذنا شجر.
لم يكن الخروج من العاصمة نجاة، بل مقامرة بالحياة. لا طرق آمنة، لا مال، لا حماية، ولا يقين بأن العربة ستصل إلى نهايتها دون أن تتحول إلى نعشٍ متحرّك عند ارتكازات الجنجويد. كان الخوف يسبق الخطوة، والموت يترصّد كل منعطف.
ثم جاء احتلال البيوت، فانكسرت فكرة الوطن داخل الجدران، وتحولت المنازل إلى غنائم، والذكريات إلى أنقاض. تراكمت المعاناة حتى أنجبت عجزًا خانقًا؛ عجزًا عن البقاء، وعجزًا عن الرحيل، إلى أن دُفع الناس دفعًا إلى النزوح، يحملون أطفالهم قبل أمتعتهم، وقلوبهم قبل أجسادهم.
وتوزّع الصحفيون في مدنٍ آمنة لأهلها، غريبةٍ على النازحين، حتى أولئك الذين نزحوا أو عادوا إلى مدن أهليهم. ففقدان الدار التي وُلدوا وتربّوا فيها، وفُطم فيها الأطفال على دفء الجدران، لا تعوّضه عمارات المدن، ولا شققها، ولا فنادقها، ولا عنابر الإيواء، ولا المدارس المؤقتة.
ورغم ذلك، ومع كل ذلك، لم يتوقف الصحفيون عن أداء رسالتهم الوطنية. واصلوا نقل أخبار الحرب، ودعم ونصرة القوات المسلحة والقوات المساندة لها، وبث الحماس في صفوف المستنفرين، يقاتلون بالكلمة حين كان الرصاص يملأ المشهد.
ولم يكتفِ الصحفيون بالخبر الخرطومي، بل تجاوزت همومهم حدود المركز، فخرجوا في الخريف، وفي الفيضانات والعواصف والسيول، مع الولاة والمسؤولين، ينقلون صور الكوارث الطبيعية، ويرصدون، ويدوّنون، ويشاركون في تشخيص الأزمات وطرح الحلول. ذهبوا إلى سد أربعات، وإلى طوكر وهي تغرق، وتفقدوا الطرق القومية والعقبات، وأبراج الكهرباء، والمستشفيات، وبلغوا معسكرات العفاض والدبة، وناموا مع نازحي الفاشر، ونقلوا احتياجاتهم العاجلة والآنية إلى العالم.
كل ذلك وهم بلا رواتب، ولا معاشات، كما هو حال كثير من العاملين بالدولة والمعاشيين. ونعلم أن أسر الصحفيين كانت تبيع الرصيد، والزبادي، والمعجنات، لتعيل أطفالها، وليتحرك رجالها الصحفيون إلى معركة القلم، يقاتلون بالحرف حين عزّ كل سلاح.
اهتم الصحفيون بهموم الولايات وقضاياها، فنشروا أخبارها، وغطّوا مؤتمراتها، على مدى أكثر من ألف يوم من الحرب، وما يزالون. وهم وحدهم من يعرف تكلفة “الطباعة الإلكترونية” في زمن الحرب، حيث لا ربح يُرجى، سوى إرضاء الضمير، وخاطر الوطن.
وقد بذلت رابطة الصحفيين بولاية البحر الأحمر جهدًا مقدّرًا في توفير قدر من الاستقرار لبعض أعضائه النازحين، غير أن النزوح قاسٍ، لا تُداويه المسكنات، ولا تشفيه عنابر الإيواء. فالمحنة أعمق من سقف، وأقسى من فراش مؤقت.
ومن هنا، فإن رسالتنا إلى الدولة، وإلى دولة معالي رئيس الوزراء الموقر الدكتور كامل إدريس، أن يُولي شريحة الصحفيين ما تستحقه من اهتمام. فكما عاد هو ووزارته إلى العاصمة، فإن المعقود عليه، والمرجو منه، أن يهيئ أسباب العودة والعمل للصحفيين، عبر التعويض المجزي عن الدور التي فقدوها، والدعم المادي والعيني، والمعنوي والنفسي، حتى تكتمل عودة السلطة الرابعة أقوى، وأعز، وأمنع.
تعويض الصحفيين يكون بالدعم المادي والعيني، وتأمين سكن مصلحي لكل من فقد منزله، وتوفير معاشات تضمن استمرارية حياتهم، إضافة إلى الدعم النفسي والمعنوي لهم ولأسرهم، وتسهيل عودتهم لمزاولة مهنتهم بحرية وأمان، مع تقدير رسمي لدورهم الوطني الذي لا يقدر بثمن.
ولولا الصحافة، ولولا الصحفيون، لما عرفنا أننا في بلدٍ ما يزال يحيا مرفوع الرأس، في مواجهة عالمٍ كبير من العمالة والارتزاق.