نقل الحجاج بحراً / بقلم: محيي الدين شجر
نقل الحجاج بحراً
بقلم: محيي الدين شجر
من أبرز إشراقات موسم الحج الماضي 1446هـ القرار الذي أوكل مهمة نقل الحجاج إلى شركة كنزي، بعد فرز العطاء وهو قرار كان صائباً ومبنياً على معطيات وامتيازات قدمتها الشركة إضافة إلى تجربتها في موسم الحج 1445 هجرية..
وعلى الصعيد الشخصي فلي تجربة معها إذ سافرت مرتين على متن بواخر كنزي إلى المملكة العربية السعودية، وشاهدت بعيني مستوى الجاهزية والكفاءة والسرعة والراحة التي وفرتها هذه البواخر للركاب والحجاج، ما جعل الرحلة آمنة ومنظمة وتليق بعظمة المقصد وقدسية الشعيرة.
وإن كانت هناك وصية صادقة ونحن على أعتاب موسم حج جديد 1447هـ، فهي أن يتم اختيار شركة مجرَّبة أثبتت نجاحها على أرض الواقع، لأن المجرب لا يُجرَّب، خصوصاً في ملف بالغ الحساسية مثل نقل الحجاج، حيث لا مجال للمخاطرة ولا مساحة للأخطاء.
وفي موسم الحج الحالي للعام 1447هـ، تقدمت ثلاث شركات لنقل الحجاج السودانيين بحراً، هي: كنزي، ونما (الجودي)، وتاركو. وقد تقرر ترك خيار الاختيار لأمناء الحج بالولايات، ليقوم كل أمين ولاية بتحديد الناقل البحري لحجاج ولايته. وبهذا القرار، تكون الكرة قد انتقلت إلى ملعب أمناء الحج بالولايات، وأصبحوا مسؤولين مسؤولية كاملة عن اختيار الأفضل دون محاباة أو مجاملة، لأن الحاج السوداني يستحق كل الخير، ويستحق أن يُقدَّم له الأفضل، لا الأقل مخاطرة.
قد يدّعي البعض أن هذا الرأي مجاملة أو انحياز، لكنني أقول بوضوح: لا يجوز أن نجامل مطلقاً في قضايا تمس كرامة الحاج وسلامته، فالأمر لا يحتمل العواطف ولا الحسابات الضيقة.
إن تاريخ نقل الحجاج بحراً في السودان مليء بالعثرات والإخفاقات والآلام، والذاكرة ما زالت تحتفظ بمشاهد مؤلمة لمئات الحجاج وهم يفترشون أرض ميناء سواكن لأيام طويلة بسبب أعطال البواخر أو تأخرها أو عدم كفاءتها. ولهذا فإن المجاملات في قضية نقل الحجاج لا تُحتمل، لأن ثمنها يدفعه الحاج من راحته وصحته، وربما من أدائه للمناسك.
كما أن تعثر باخرة واحدة – لا قدر الله – كفيل بحرمان مئات أو آلاف الحجاج من أداء الفريضة، ولا يمكن بعد ذلك تدارك الزمن الضائع، لأن الحج مواقيت لا تنتظر.
وفي موسم الحج الماضي، تعرضت شركة كنزي لهجوم عنيف وحملة منظمة، هدفها إبعادها عن موسم الحج الحالي، وقف خلفها – في تقديري – أصحاب أغراض ومصالح لا علاقة لهم بمصلحة الحاج ولا بصورة السودان. فكل صراع في مثل هذه القضايا غالباً ما يكون مبنياً على المصالح، لا على مصلحة الحاج.
وما ينبغي التأكيد عليه أن نجاح موسم الحج لا يُقاس فقط بوصول الحجاج إلى الأراضي المقدسة، بل يُقاس بجودة الرحلة، واحترام الزمن، وصون كرامة الإنسان. فالنقل البحري للحجاج ليس مجالاً للتجريب، بل مسؤولية وطنية وأمانة دينية وأخلاقية.
وعليه، فإن اختيار شركة نجحت لموسمين متتاليين ليس انحيازاً، بل هو انحياز للمصلحة العامة، وحرص على راحة الحجاج، وحفاظ على سمعة البلاد. فلنتعظ من التجارب الفاشلة، ولنستصحب النماذج الناجحة، ولنجعل معيارنا الوحيد هو الكفاءة، لأن الحاج يستحق الأفضل، ولأن المجرب… لا يُجرَّب.