الروح الحمراء نصر الدين بخيت العقابي حين يصبح الضوء موقفًا… مروي تُضاء بسواعد أبنائها

رأي / سودان سوا

في ضفاف هذا الوطن المتعب، حيث تختبر الأيام معادن الرجال قبل صلابة الخرسانة، تقف محطة توليد مروي شاهدًا، لا على عظمة مشروع هندسي فحسب، بل على عظمة الإنسان السوداني حين يُحاصر بالخطر ويُدعى إلى واجب الوطن. هنا، لا نتحدث عن توربينات تدور، ولا عن ميغاواطات تُضخ في الشبكة، بل عن رجال ونساء حملوا الكهرباء في قلوبهم قبل أن يحملوها في أسلاك الضغط العالي.
العاملون في محطة توليد مروي ليسوا موظفين يؤدون نوبة عمل وينصرفون، بل حراس ضوء، وحملة أمانة، وأصحاب رسالة أدركوا منذ اللحظة الأولى أن هذه المحطة أكبر من وظيفة، وأثقل من راتب، وأبقى من ظرف عابر. هي سيادة وطن، واستقرار شعب، وحق أجيال قادمة في حياة أقل ظلامًا. في وجوههم ترى ملامح المسؤولية الصامتة، وفي أفعالهم تقرأ معنى الانتماء حين يتحول إلى فعل يومي لا ينتظر الشكر.
حين استُهدفت المحطة مرارًا، أكثر من تسع ضربات غادرة، كان الرهان أن تنكسر الإرادة قبل المعدن، وأن ينطفئ العزم قبل التيار. لكن ما لم يُحسب في معادلات العدوان، أن في مروي رجالًا لا يعرفون الهزيمة، وأن خلف كل لوحة تحكم مهندسًا يحفظ تفاصيلها كما يحفظ اسمه، وخلف كل معدة فنيًا يعرف صوتها في العافية كما يعرف أنينها في العطل. كان العدو يراهن على الظلام، بينما كان العاملون يراهنون على المعرفة، والصبر، والإيمان بأن ما بُني للوطن لا يُترك له.
من بين الركام، ومن تحت ضغط الخطر والقلق، نهض العاملون كما ينهض النيل بعد الجفاف؛ هادئين في مظهرهم، عاصفين في فعلهم. بلا دعم فني أجنبي، وبلا انتظار لوصول منقذ من الخارج، استدعوا خبراتهم، وفتحوا دفاتر ذاكرتهم العملية، وتقاسموا الأدوار بروح الفريق الواحد. كان التعاون بينهم لوحة نادرة، لا فيها استعلاء تخصص، ولا ضجيج قيادة، بل انسجام عميق يؤمن أن النجاح في تلك اللحظة لا يُنسب لفرد، بل لمنظومة وطنية كاملة تعرف واجبها ولا تتردد.
في الإدارة، تجلت الوطنية في القرار السريع المسؤول، وفي ترتيب الأولويات بعقل بارد وقلب مشتعل. لم تكن القرارات رفاهية، بل خطوط حياة تُرسم بدقة لأنها تعني مدنًا كاملة تنتظر الضوء. وفي الهندسة، كانت المهنية في أبهى صورها: تشخيص الأعطال، ابتكار الحلول، وإعادة التشغيل الآمن، وكل ذلك في ظروف يعلم الله قسوتها؛ حرارة خانقة، وشح إمكانات، وضغط زمن، وخطر تكرار الاستهداف. ومع ذلك، كان الإصرار أعلى من كل ظرف.
أما العمال والفنيون، أولئك الجنود المجهولون، فقد كتبوا فصول البطولة بأيديهم الملطخة بالزيت والغبار. صعدوا، وفكّوا، وأعادوا التركيب، وتحدّوا الخطر بابتسامة صامتة، لأنهم يعلمون أن خلف كل نجاح لهم طفلًا يذاكر، ومريضًا يتنفس، ومدينة تستعيد نبضها. كانوا يعرفون أن الانقطاع عن الخوف هو أول خطوة في إعادة التيار، وأن الشجاعة الحقيقية هي أن تؤدي عملك كاملًا وأنت تعلم حجم المخاطرة.
وفي مروي، لم تكن الوطنية شعارًا يُرفع، بل فعلًا يُمارس. لم تُقاس المهنية بشهادات معلقة، بل بقدرة حقيقية على الصمود، وبحلول وُلدت من رحم الأزمة. هناك، امتزج العلم بالخبرة، والتخصص بالمسؤولية، وتحولت المحطة إلى خلية عمل لا تنام، لأن الوطن في تلك اللحظة لم يكن يحتمل النوم، ولا يسمح بالانتظار.
ولا يكتمل هذا المشهد دون التوقف عند الدور المهم لوزارة الطاقة والنفط، التي وفّرت ما أمكن من موارد في زمن الشح، وتعاملت مع الأزمة بوصفها أولوية وطنية لا ملفًا إداريًا عابرًا. كما يستحق مدير عام شركة كهرباء السودان القابضة تقديرًا صادقًا على دعمه المباشر، وتوفير المتاح من الإمكانات، ومساندته للكوادر الوطنية في واحدة من أعقد المراحل، حين يكون القرار مكلفًا، والاختيار محفوفًا بالمخاطر.
وتقدير خاص، ووفاء كبير، للسيد مدير عام الشركة السودانية للتوليد المائي، الذي لم يكتفِ بإدارة الأزمة من بعيد، بل رابط مع العاملين، والفنيين، والإداريين، والمهندسين، وكان حاضرًا في موقع الأحداث ومواقع الصيانات، يعمل جنبًا إلى جنب مع العمال، ويتحمل مسؤولية القرارات الصعبة، ويختار بوعي الاعتماد على كوادر المحطة، إيمانًا بقدراتهم وثقة في مهنيتهم. دعمه لم يكن إداريًا فقط، بل معنويًا وتحفيزيًا، أعاد الثقة إلى النفوس، ورسّخ الإحساس بأن القيادة الحقيقية هي التي تكون في الميدان وقت الشدة.
ولا بد هنا من تحية خاصة لقسم الخدمات بمحطة توليد مروي، تلك الخلية التي تعمل على مدار الثانية، بصمت وكفاءة، وتؤمّن استمرارية الحياة داخل المحطة. كما التحية والتقدير للماليين، والإدارات اللوجستية، وكل من وفّر الدعم الخدمي والإداري، لأن المعركة لا تُدار فقط في غرف التحكم، بل في كل تفصيلة تضمن استقرار العمل واستمراره.
كما لا يفوتنا توجيه التحية للقوات المسلحة، والأجهزة الأمنية، والشرطية، ولكل من يسهر ويتعب من أجل حماية المنشآت وحراسة الوطن، لأن الأمن كان ولا يزال خط الدفاع الأول عن النور، وعن الحياة نفسها.
وفي مروي، تتجسد واحدة من أرقى صور العمل الجماعي؛ فلا تفريق بين منتسبي الميكانيكا، ولا الكهرباء، ولا التشغيل، ولا السلامة، ولا أجهزة التحكم، ولا الإدارات المختلفة. المهندس بجوار العامل، والإداري جنب الفني، الجميع في خندق واحد، يربطهم هدف واحد، ويقودهم وعي واحد، بأن المحطة لا تعمل بتخصص منفرد، بل بمنظومة متكاملة، إذا اختلّ فيها جزء، تأثر الكل.
ومن هنا، تتعاظم أهمية التدريب والتأهيل، الذي ظل يحظى باهتمام واضح من مدير عام الشركة السودانية للتوليد المائي، وقرارهو الاستراتيجي بتدريب العاملين على أعمال كبيرة ومعقدة، مثل التدريب على كوابل 500 كيلوفولت، في خطوة تعزز الجاهزية، وترفع سقف الثقة في الكوادر الوطنية، وتؤكد أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان.
ولا يمكن إغفال التحية والتقدير لجمهورية الصين الشعبية، التي ظلت داعمة للسودان في مجالات التقنية والتطور، ووقفت إلى جانبه في أصعب الظروف. كما يخصّ التقدير شركة أوهان الصينية، التي ظلت في خندق واحد مع السودانيين، داعمة للقطاعات الهندسية، ومساهمة في نقل المعرفة والخبرة، مع تقدير خاص لمديرها العام مستر بيبو على دعمه وتعاونه المستمر.
ولا يكتمل هذا الإنجاز دون الإشادة بالدور الكبير والاستراتيجي الذي لعبته وزارة المالية بكل قياداتها، من وزراء ووكيل وزارة ، وصولًا إلى كل العاملين فيها، الذين كانوا جنودًا خلف الكواليس، لا تكلّ ولا تملّ. فقد وقفت الوزارة في خندق واحد مع قطاع الكهرباء، موفّرة ما أمكن من دعم مالي واستراتيجي لضمان استمرارية عمل محطة مروي، ومقدّمة حلولًا سريعة وعملية في أصعب الظروف. لم يكن دورها بروتوكوليًا أو شكليًا، بل تجلّى في إدارة الموارد، وتسريع الإجراءات، وتنسيق الجهود بين الجهات المختلفة، لتوفير كل ما تحتاجه الكوادر الوطنية من إمكانات، ليتمكنوا من أداء واجبهم على أكمل وجه. في كل قرار اتخذته، وفي كل خطوة دعمت بها، كان الهدف الأسمى هو الوطن، والثقة بالكوادر الوطنية، وإثبات أن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا بتضافر كل مؤسسات الدولة في معركة واحدة ضد الظلام والعجز، وأن المالية ليست مجرد أرقام وحسابات، بل شريك استراتيجي في حماية النور واستمرارية الحياة.
ويبقى الرهان الأكبر، والتوصية الأهم، هو الاستمرار في التدريب والتأهيل، وتعزيز الثقة في الخبرات السودانية، لأنها أثبتت في مروي، وفي غيرها، أنها قادرة على إدارة أعقد المنشآت، وحماية أكبر المشاريع، والانتصار في أصعب الظروف.
الفخر بالعاملين في محطة توليد مروي ليس مجاملة عاطفية، بل اعتراف مستحق. فقد أثبتوا أن السودان، مهما أُثخن بالجراح، يملك رجال دولة حقيقيين في مواقع العمل، لا في منصات الخطابة. وأثبتوا أن الضوء يمكن أن يكون موقفًا، وأن الكهرباء قد تُولد من العزيمة قبل الماء.
في ضفاف هذا الإنجاز، اقف احترامًا لهؤلاء العاملين، ونكتب عنهم بفخر لا يخجل، لأنهم أعادوا تعريف معنى الخدمة العامة، وعلّمونا أن مروي ليست محطة توليد فقط، بل محطة كرامة، ودرسًا بليغًا في كيف ينتصر الإنسان على العتمة… حين يؤمن بوطنه.