من يشعل السوق الأسود… ثم يصرخ من نيرانه؟

بهدوء وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي

من يشعل السوق الأسود… ثم يصرخ من نيرانه؟

تشهد سوق الصرف السودانية هذه الأيام تحركات متكررة من بعض البنوك التي قررت رفع سعر صرف الدولار إلى مستويات اقتربت من السوق الموازي أو تجاوزته في بعض اللحظات، في مشهد ليس جديدًا ولا مفاجئًا، بل هو نمط مألوف مجرّب من قبل مرات عدة، والغريب أنه لا يزال يُعاد بلا مراجعة ولا مساءلة، رغم أننا نبّهنا مرارًا وتكرارًا إلى أنه لا يفضي إلا إلى مزيد من تدهور العملة الوطنية، دون تفسير اقتصادي مقنع أو تبرير منطقي مقبول.
ورغم كل ما كُتب ووضّح من قبل، لا تزال نفس السياسة تتكرر: ملاحقة بطيئة للسوق الموازي، تحت شعار “تضييق الفجوة”، بينما النتيجة الثابتة التي تتكرر دائمًا هي أن السوق الموازي يتفوق مباشرة، ويؤسس لنقطة سعر جديدة، فتُفرغ الخطوة من معناها، وينهار الجنيه أكثر.
ما يجري الآن ليس تحريرًا حقيقيًا لسعر الصرف، بل هو ارتباكٌ إداريٌّ مكلف، وتكرارٌ لنهجٍ أثبت فشله على مدى سنوات طويلة. فرفع السعر الرسمي تدريجيًا، أو مسايرته للموازي، أو حتى تجاوزه، لا يحقق أي تحوّل جذري ما دامت البنية نفسها قائمة على التسعير المركزي، والاحتكار، وانعدام الشفافية. السوق الموازي لا ينتظر، ولا يلتزم بسقوف ولا تعليمات، وكلما تحرك السعر الرسمي خطوةً للأمام، قفز السوق الأسود خطوات أبعد. وهذا ليس تحليلًا نظريًا، بل واقع مشاهد متكرر كل مرة تحاول فيها السلطات اللحاق بسعر السوق دون تحرير البيئة كليًا.
السبب الجوهري لاستمرار السوق الموازي ليس “الفرق بين السعرين”، بل وجود منظومة تسعيرية غير حُرّة في جوهرها، تستند إلى قرارات فوقية وتدخّلات متقطعة، بدلًا من إطلاق حرية السوق في بيئة منظمة. وما يُسمى بـ“المعالجة التدريجية” أو “اختبار السوق” ليست إلا مسكّنات زمنية وهمية تؤدي إلى نتيجة واحدة: مزيد من الفجوة، ومزيد من تآكل الثقة، ومزيد من إضعاف الجنيه.
ليس الحل في ضخ الاحتياطيات لمجاراة السوق الموازي، حتى لو بدا ذلك ممكنًا نظريًا، لأن الاحتياطيات نفسها غير متوفرة — ولن تتوفر — ما لم تُبنَ بيئة اقتصادية حرة وجاذبة تستقطب الاستثمار وتُطلق الحراك الإنتاجي. فالاحتياطي لا يُفرَض بالأوامر، بل يُولَد تلقائيًا من حركة اقتصادية حقيقية نابعة من تحرير السوق وتوطين الثقة. أما ملاحقة السوق الموازي بدون هذه الشروط فمعركة خاسرة، لأن السوق الحر لا يُواجه بتكتيكات إدارية، بل يُبنى بإصلاح جذري في قواعد اللعبة. والسوق الأسود لا يُلغى بالقرارات، بل بانعدام مبررات وجوده من الأصل.
وإن كان الخيار — في ظل غياب القرار الجذري — محصورًا بين الإبقاء على الوضع القائم أو مجاراة السوق الموازي عبر التسعير والملاحقة، فإن الأخف ضررًا بلا شك هو الإبقاء على الأمر كما هو، لا لأن الوضع مقبول، بل لأن تسعير السوق ومطاردته لا يؤديان إلا إلى إشعاله، وفتح جولات جديدة من المضاربة، وتسريع وتيرة تدهور العملة، وتوسيع دائرة الخسارة على الدولة والمواطن معًا. أما تثبيت الوضع مؤقتًا، فرغم عيوبه، يبقى أقل كلفة من سياسة الإشعال المتكرر التي أثبتت التجربة أنها لا تنتج إلا سعرًا أعلى وفوضى أعمق.
أما الحديث عن استقطاب ودائع من الخارج، إن تمّ، فيُرحَّب به بوصفه مسكّنًا ومهدئًا وقتيًا لا أكثر، يُسهم في تخفيف الضغط الآني، لكن لا يجوز التعويل عليه كحل، لأن ذلك لا سبيل إليه ولا استدامة له، ما لم يُستند إلى إصلاح ذاتي حقيقي. فالتجربة علّمتنا أن الودائع العابرة لا تصنع اقتصادًا، ولا تُقيم سعر صرف، ولا تُؤسّس ثقة، ما لم تُنزَّل الحزمة المتكاملة للإصلاح: التحرير الشامل، وتحرير سعر الصرف، ونفاذ حكم القانون، والحوكمة الرشيدة، والرقمنة المتكاملة. دون ذلك، تذهب الودائع كما جاءت، ويبقى الخلل كما هو.
والحل معروف، بسيط في بنيته، جريء في قراره: تحرير سعر الصرف كليًا، لا جزئيًا، لا تجريبيًا، لا استثنائيًا. ويتم ذلك عبر منصة رقمية مركزية شفافة، تُعلن وتنسق الأسعار الحُرّة التي تُقدمها البنوك والصرافات المرخصة، ويُسمح بالدخول إليها لكل من يلتزم بالشروط المحددة دون تمييز، وتُترك آلية التسعير بالكامل ليد السوق، بناءً على العرض والطلب، بلا تدخل فوقي.
وذلك ما يؤدي بطبيعته إلى تلقائية تحويل الأموال، وشفافية إعلان السعر الحقيقي، ودخول العملات الأجنبية إلى المصارف الوطنية والصرافات المقننة، وتيسير التعاملات للمواطن والدولة والمستثمرين والأجانب، وفتح الباب واسعًا أمام تدفق الاستثمارات وتفعيل أدوات التمويل المختلفة، مثل نظام BOT والشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP)، وغيرها، ضمن بيئة اقتصادية متزنة وواضحة.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، إن ما يُسمّى بتحرير سعر الصرف قائم عمليًا منذ سنوات، قبل الحرب وأثناءها، وهو الذي يتحكم فعليًا في السعر، وتتعامل معه الدولة والمجتمع على السواء. غير أن هذا “التحرير” جرى خارج أي إطار مؤسسي أو قانوني منضبط، فآلت فوائده إلى قلة متحكِّمة هيّأت لها الدولة هذه السانحة، واضطرت هي وشعبها للتعامل معها بلا أدنى منطق اقتصادي أو تفسير عقلاني، بينما تحمّلت الخزينة العامة والمواطن كلفة ذلك غلاءً واضطرابًا وفقدانًا للثقة. والمشكلة، إذن، ليست في التحرير ذاته، بل في غيابه عن الإطار العادل المنظِّم الذي يحوّل أثره من عبء مدمّر إلى أداة نهضة.
فقط عندها يُستعاد التوازن الطبيعي، ويُجذب النقد الأجنبي إلى القنوات الرسمية تلقائيًا، وتستعيد البنوك دورها الحقيقي في السوق، وتبدأ الثقة في العودة. وكل ما عدا ذلك من ترقيع أو ملاحقة أو رفع جزئي للسعر الرسمي، لن يكون إلا وقودًا جديدًا لحريق قديم.
إن التذرّع بأن الوضع الراهن لا يحتمل هذا النوع من التحرير، لأن البلاد في حالة حرب أو في وضع هش، هو تبرير عكسي. فالتحرير نفسه — حين يُنفذ بشجاعة وشمول — هو الذي يُعيد للدولة مواردها، وللجهاز المصرفي دوره، وللاقتصاد زخمه، وهو الذي يُمكّن حتى من تمويل الاحتياجات المرتبطة بالاستقرار والإنتاج والأمن. لا يُنتظر أن ينصلح كل شيء كي نُحرر السوق، بل نُحرر السوق كي نُصلح كل شيء.
إصلاح سعر الصرف ليس بندًا لاحقًا يُنفذ بعد أن تستقر الأوضاع، بل هو أداة إصلاح رئيسية تمهّد الطريق للاستقرار ذاته. أما الاستمرار في نهج الملاحقة، أو التجريب، أو التردد، فهو وصفة مؤكدة لتفاقم الأزمة.
لقد آن أوان القرار الكبير: تحرير فوري وكامل للسعر، بإطار مؤسسي رقمي شفاف، ينقل السودان من اقتصاد الظل إلى اقتصاد النور، ومن الفوضى إلى النظام، ومن العجز إلى القدرة. وكل تأخير في ذلك، هو خسارة وطنية جديدة.