بين سويفت وبريكس (2 من 2): السودان بين القيد الخارجي والإفقار الذاتي

بهدوءٍ وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي

بين سويفت وبريكس (2 من 2): السودان بين القيد الخارجي والإفقار الذاتي

لا تعاني الدول التي تُوصَف عادةً بالفقيرة أو المحاصَرة من مشكلة واحدة متجانسة في النظام المالي العالمي، بل من مفارقات متباينة تختلف أسبابها وطرق معالجتها. غير أن وضع السودان تحديدًا لا يمكن إدراجه بدقة ضمن خانة «الدول الفقيرة» لا من حيث الموارد ولا من حيث الإمكانات، لأن مشكلته الأساسية ليست في ما يملكه، بل في كيفية إدارته لما يملكه. والسودان — في توصيفٍ دقيق — دولةٌ مُفقِرةٌ لنفسها عمليًا، لا دولة تعاني من نقص موضوعي في الموارد. وهذا التحديد ليس لغويًا ولا تجميليًا، بل هو مفتاح الفهم الصحيح لأي نقاش عن موقع السودان بين نظام سويفت والمسارات التي تتشكل داخل بريكس.
فالسودان بلد غني بالأرض والمياه والثروة الحيوانية والموارد المعدنية، وذو موقع جغرافي يؤهله للاندماج في أكثر من فضاء تجاري، غير أن هذه الإمكانات لم تتحول إلى قيمة اقتصادية مستدامة، لا بسبب الخارج وحده، بل بفعل عطب داخلي متراكم عطّل الإنتاج، وأربك التجارة، وشوّه النظام النقدي، وترك الاقتصاد يعمل في مساحات رمادية يصعب توثيقها أو الدفاع عنها أمام أي نظام مالي دولي. وفي مثل هذه الحالة، تتحول شبكات التحويل العالمية، وفي مقدمتها نظام سويفت، من قيد خارجي مفروض إلى مرآة تعكس هشاشة الداخل أكثر مما تصنعها.
ومن هذا المنطلق، فإن المسارات التي تتشكل داخل بريكس لا تمثل خلاصًا تلقائيًا للسودان، ولا بديلًا سحريًا عن القيود القائمة، لكنها تفتح نافذة مشروطة، نافذة لا تُستثمر إلا إذا أصلحت الدولة حالها أولًا. فالمسار الجديد لا يُلغي متطلبات الشفافية، ولا يعفي من قابلية التتبّع، ولا يعمل مع اقتصاد غير مقروء أو دولة لا تعرف بدقة ماذا تنتج وماذا تصدّر وماذا تستورد. إنه مسار يخفف هيمنة القناة الواحدة، لكنه لا يعالج الإفقار الذاتي.
وعليه، فإن نقطة البداية الحقيقية ليست في اختيار محور دولي، بل في إعادة بناء منطق الدولة الاقتصادية. ويبدأ ذلك بتحرير الاقتصاد الحقيقي من القيود الإدارية والاحتكارات المقنّعة التي جعلت النشاط الاقتصادي استثناءً لا قاعدة، وحوّلت الإنتاج والتجارة إلى مسارات معقدة تُدار بالتصاريح والعلاقات. فالاقتصاد الذي لا يعمل بقواعد عامة واضحة لا يمكن دمجه في أي نظام مالي، قديمًا كان أو جديدًا.
ويلي ذلك توحيد النظام النقدي وسعر الصرف، لأن الدولة التي تعمل بعدة أسعار لعملتها تُفقد السوق بوصلته، وتفتح الباب للمضاربة، وتغلق في الوقت نفسه باب الثقة. فالتعدد السعري ليس أداة حماية، بل تعبير عن فقدان السيطرة، ومن دونه لا يمكن الحديث عن تجارة خارجية مستقرة ولا عن تسويات مالية قابلة للاستمرار.
ثم تأتي الرقمنة، لا بوصفها مشروعًا تقنيًا معزولًا، بل بوصفها أداة سيادة اقتصادية، تُمكّن الدولة من توثيق معاملاتها، وربط جماركها بضرائبها، وتتبع تدفقات سلعها وأموالها. غير أن هذه الرقمنة لا تؤتي ثمارها ما لم تُسندها حوكمة فعّالة ونفاذ حقيقي للقانون، يضمنان وضوح الصلاحيات، ومساءلة المؤسسات، وتكافؤ الفرص، لأن أي نظام اقتصادي بلا قانون نافذ يظل عرضة للتسيّب مهما بلغت درجة رقمنته.
ويظل إصلاح الجهاز المصرفي ركنًا لا غنى عنه، لا عبر تضخيمه أو حمايته سياسيًا، بل عبر إخضاعه للحوكمة، وفصله عن الامتيازات، وربطه بخدمة الإنتاج والتجارة بدل الوساطة الطفيلية. فالمصارف أدوات، وإذا تعطلت وظيفتها تعطلت معها قدرة الدولة على النفاذ المالي، سواء عبر سويفت أو خارجها.
وأخيرًا، لا يمكن للسودان أن يخرج من دائرة الإفقار الذاتي دون فصل واضح بين الدولة والتجارة. فالدولة التي تنافس مواطنيها في الاستيراد والتصدير، أو تحتكر منافذ السوق، تُربك الأسعار، وتُضعف الثقة، وتشوّه علاقتها بالشركاء الخارجيين. وظيفة الدولة أن تنظّم السوق، وتحمي المنافسة، وتمنع الاحتكار، وتضمن القواعد على الجميع دون استثناء، لا أن تكون لاعبًا داخل السوق.
وبهذا الفهم، يتبيّن أن السؤال الجوهري ليس: كيف يتجاوز السودان قيود سويفت أو كيف يلتحق بمسار بريكس؟ بل: هل أصلح السودان نفسه بما يكفي ليكون دولة قابلة للتعامل أصلًا؟ فالمسارات المالية الجديدة لا تُنقذ الدول المُفقِرة لنفسها، لكنها تكشف بوضوح مدى أهليتها للتعامل. أما من يُصرّ على تدوير اختلاله وتكريسه، دون جدٍّ في تغيير حاله، فسيبقى معزولًا مهما تغيّرت المسارات.