عضو السيادة عبد الله يحيى… حديث من الميدان لا من وراء الزجاج
عضو السيادة عبد الله يحيى… حديث من الميدان لا من وراء الزجاج
بقلم: محيي الدين شجر
في زمن تختلط فيه الأخبار بالشائعات، يظل للحديث المباشر قيمته، خاصة حين يأتي من شخص، رغم وجوده في مجلس سيادي، اختار أن يكون قريبًا من خطوط النار لا من صالات المكيفات.
هكذا كان حديث عضو مجلس السيادة الانتقالي الأستاذ عبد الله يحي، الذي استمعت إليه شخصيًا، لا بصفته مسؤولًا فحسب، بل شاهدًا على حرب لم تترك أحدًا خارج دائرتها، ولا استثنت موقعًا أو أسرة.
عبد الله يحي قال بوضوح إن القوات المسلحة والقوات المشتركة تتقدم في محاور ولاية كردفان، وإن عمليات عسكرية نُفذت في منطقة جرجيرة منذ الأمس، مع تحقيق تقدم ملحوظ جنوب مدينة الأبيض. لم يكن الحديث احتفاليًا، بقدر ما كان توصيفًا هادئًا لمشهد يرى أنه يتغير لصالح الدولة، رغم الكلفة العالية.
اللافت أن الرجل لم يتوقف طويلًا عند الميدان، بل انتقل مباشرة إلى الخرطوم. تحدث عن زيارته الأخيرة للعاصمة، وعن الجهد الكبير المبذول فيها، مشيدًا بدور عضو مجلس السيادة المهندس مستشار إبراهيم جابر، الذي قال إنه ظل موجودًا في الخرطوم منذ وصوله، يتابع العمل دون مغادرة. في هذا الربط رسالة واضحة: لا معنى لانتصار عسكري بلا مدينة قابلة للحياة.
وعندما جاء الحديث عن الكباري المتضررة، وتحديدًا شمبات والحلفايا، والرجل يحتفظ برصيد ثري من خبرته السابقة حين كان وزيرًا للبنى التحتية والطرق والجسور، لم يحمّل عبد الله يحي المسؤولية للظروف أو شُح الموارد. قال ببساطة إن المشكلة ليست موارد، بل إرادة. ودعا للاعتماد على الشركات الوطنية، معتبرًا أن السودان يملك من الكفاءات ما يكفي لإعادة الإعمار إذا صدقت النوايا.
والحق يُقال، فإن الدولة تحتفظ لعبد الله يحي بإنجاز وطني تحقق في بدايات الحرب، حين أُشرف على إنشاء طريق بطول 150 كيلومترًا خلال 28 يومًا فقط:
طريق الكرامة – القضارف – الحواتة – أم رخم – الدندر.
وهو إنجاز بكل المقاييس، أسهم في تحرير مناطق واسعة، وفتح خطوط الإمداد نحو الدندر وسنجة وود مدني وأم روابة، وساعد في فك حصار مدينة الأبيض، في واحدة من أكثر مراحل الحرب تعقيدًا.
لكن أكثر ما بقي عالقًا في هذا الحديث لم يكن السياسة ولا الحرب، بل الفقد. تحدث عن فقده الشخصي لأعداد كبيرة من أفراد أسرته في الفاشر، وعن آلاف الضحايا من أبناء دارفور. ونعلم أنه فقد شقيقين في فترات متقاربة، فقدٌ لم يجعله ضعيفًا، بل زاده صلابة وقوة ومنعة.
قال ذلك بهدوء، بلا خطاب عاطفي، وكأن الألم صار جزءًا من اللغة اليومية لهذه الحرب.
في المحصلة، حديث عبد الله يحي لا يقدم إجابات نهائية، لكنه يضعنا أمام سؤال كبير:
هل نملك الشجاعة لربح معركة الدولة، لا معركة السلاح فقط؟
سؤال يستحق أن يُطرح، قبل أن تنتهي الحرب… أو تطول أكثر مما نحتمل.