محيي الدين شجر يكتب :آثار السودان في المزاد العالمي… 570 قطعة لا تغسل عار السرقة الكبرى

آثار السودان في المزاد العالمي… 570 قطعة لا تغسل عار السرقة الكبرى
بقلم: محيي الدين شجر
استعاد جهاز المخابرات السوداني 570 قطعة أثرية من جملة آلاف القطع التي نُهبت من العاصمة الخرطوم، في وقت كان فيه المتحف القومي وحده يضم نحو 80 ألف قطعة أثرية، بينها ذهب أثري وكنوز لا تُقدّر بثمن.
وإذا بدا الرقم مستحقًا للإشادة من زاوية أمنية، فإنه من زاوية وطنية وتاريخية لا يمثل سوى جزء ضئيل من كارثة كبرى.
لا خلاف على أن جهاز المخابرات يستحق الشكر، فقد تحرك مبكرًا، ووضع خطة سرية دون ضجيج إعلامي، في لحظة كانت فيها مؤسسات الدولة إما غائبة أو عاجزة. لكن الشكر لا يعني التجميل، والإنصاف يقتضي القول إن ما تحقق هو نجاح متوسط، لا يرقى إلى حجم الجريمة ولا إلى فداحة ما فُقد.
فالقطع الأثرية ذات القيمة التاريخية والمالية الأعلى لم تعد هنا.
اخرجتها مليشيا الدعم السريع من السودان كما اخرجت الذهب والنحاس، وآليات الكهرباء، والمصانع، والأثاثات والمنقولات الثمينة، في واحدة من أوسع عمليات النهب المنظم التي شهدتها دولة حديثة. .
قبل أكثر من عام كتبتُ محذرًا من نهب الآثار، وقلت يومها إن الجريمة أكبر بكثير من رد الفعل الرسمي، وإن التحرك لا يتناسب مع حجم الحدث. وقيل حينها إن الدولة وضعت خطة استراتيجية لاسترداد الآثار المنهوبة.
اليوم، وبعد مرور الوقت، يبدو أن الخطة ما زالت حبيسة ادراج الحكومة ، وأن التنفيذ بطيء لا يشبه سرعة العصابات ولا جرأتها.
المتحف القومي كان ذاكرة السودان المادية. وكان يحوي ذهبًا أثريًا وكنوزًا فريدة. والمفارقة المؤلمة أن القطعة الوحيدة التي لم تُنهب هي تمثال الملك تهراقا، لا لأنه محمي أو مصان، بل لأنه يزن سبعة أطنان.
بمعنى آخر: ما عجزت الدولة عن حمايته، حماه وزنه فقط.
حديث نائب مدير جهاز المخابرات العامة الفريق عباس محمد بخيت، امس في مناسبة الاحتفال باستيراد بعض الاثار بأن الجهاز يمتلك «القدرة الكاملة لملاحقة المجرمين أينما وجدوا، ولا مكان آمن لمن يعبث بتاريخ السودان»، يضع الدولة أمام اختبار حقيقي.
فالقدرة المعلنة إن لم تُترجم إلى ملاحقات خارج الحدود، وبلاغات دولية، وملفات قانونية بأسماء الوسطاء والسماسرة والمشترين، ستظل مجرد لغة قوية بلا أثر ردعي.
الآثار السودانية لم تختفِ في الفراغ.
هي اليوم في سوق الآثار العالمية؛ في مزادات خاصة، وصالات عرض، ومخازن جامعي تحف، دخلتها عبر شبكات تهريب محترفة تعرف كيف تُزوّر الوثائق وتُبيّض التاريخ. وهذه السوق لا تزدهر إلا حين تسقط الدول، وتصمت القوانين، ويغيب الضغط السياسي.
هنا لا بد من المقارنة.
مصر استعادت آلاف القطع الأثرية عبر ملاحقات قانونية وضغط مباشر على متاحف ومزادات كبرى، ولم تتردد في تسمية الجهات المتورطة.
العراق، بعد نهب متاحفه، خاض معارك قانونية طويلة، واستعاد قطعًا نادرة من الولايات المتحدة وأوروبا عبر ملفات موثقة لا تعرف المجاملة.
أما إيطاليا واليونان، فقد جعلتا من سرقة الآثار قضية سيادة وطنية، وأجبرتا متاحف عالمية على إعادة قطع لا تملك حق عرضها.
هذه الدول لم تنتظر التهاني، ولم تكتفِ بالبيانات، بل ذهبت مباشرة إلى قلب السوق العالمية، وفرضت معادلة واحدة:
إما إعادة الآثار… أو الفضيحة القانونية والأخلاقية.
أما تهنئة «اليونسكو» للسودان باسترداد بعض آثاره، فهي إيجابية من حيث الشكل، لكنها لا يجب أن تتحول إلى ستار يغطي الخسارة. فاليونسكو لا تحاسب نيابة عنا، ولا تستعيد تاريخنا، ولا تغلق المزادات التي تبيع ذاكرتنا.

إن الصمت الدولي تجاه نهب آثار السودان في تقديري شراكة غير معلنة في الجريمة.
كل متحف يتجاهل مصدر قطعة مشبوهة، وكل مزاد يبيع تاريخًا مسروقًا، وكل مؤسسة دولية تكتفي بالتهنئة بدل الضغط، هي طرف مباشر في سرقة هوية أمة.
آثار السودان لا تضيع لأنها سُرقت فقط، بل لأنها لم تُواجه عالميًا كما ينبغي.
وما لم تتحول هذه القضية إلى معركة قانونية وسياسية وأخلاقية مفتوحة، فإن ما عاد اليوم سيُقدَّم كإنجاز، بينما ما ضاع — وهو الأهم — سيُنسى بصمت.
التاريخ لا نستعيده بالتصفيق… بل نستعيده بالمواجهة..