بين سويفت وبريكس (1 من 2): كيف يُعاد تشكيل النظام المالي العالمي من داخله؟
بهدوءٍ وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي
بين سويفت وبريكس (1 من 2): كيف يُعاد تشكيل النظام المالي العالمي من داخله؟
لم يتكوّن النظام المالي العالمي الحديث بوصفه بنية جامدة مكتملة أو ترتيبًا نهائيًا لا يقبل المراجعة، بل تشكّل تاريخيًا عبر توازنات متغيرة بين قوى الإنتاج والتجارة والتمويل، وكان دائمًا انعكاسًا لموازين القوة الاقتصادية أكثر منه نتاج تصميم نظري محض. ومن هذا المنطلق، فإن ما يتردد اليوم عن «نظام مالي جديد» أو «محور بديل للدولار» لا يصح فهمه كحدث فجائي أو انقلاب على النظام القائم، بل بوصفه مسارًا تراكميًا هادئًا يعيد توزيع قنوات الدفع والتسوية داخل المنظومة نفسها، لا خارجها. وفي قلب هذا المسار تبرز مجموعة بريكس بوصفها تجمعًا لدول كبرى تسعى، كلٌّ وفق ظروفه ومصالحه، إلى تقليل هشاشتها أمام احتكار مسار واحد للتحويلات المالية الدولية.
بدأ هذا التوجه في التشكل منذ أكثر من عقد، حين تزايد إدراك عدد من الاقتصادات الصاعدة أن الاعتماد شبه الكامل على الدولار الأمريكي وشبكات التحويل المرتبطة به، وفي مقدمتها نظام سويفت، لا يفرض كلفة اقتصادية فحسب، بل يخلق هشاشة سيادية كامنة، تظهر بوضوح في أوقات الأزمات أو التوترات السياسية. ومع ما شهده العالم بعد عام 2020 من اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد، وتوسع غير مسبوق في العقوبات المالية، وتسارع النقاش العالمي حول بطء وكلفة المدفوعات العابرة للحدود، انتقل هذا الإدراك من مستوى التحليل إلى مستوى السياسات العملية، وأصبح البحث عن بدائل جزئية أو مسارات موازية جزءًا من التفكير الاستراتيجي لدى عدد متزايد من الدول.
الصين، بوصفها أكبر دولة تجارية في العالم، وجدت نفسها تتحمّل النصيب الأكبر من كلفة التسوية عبر الدولار، فعملت تدريجيًا على توسيع استخدام عملتها في التجارة الخارجية، وبناء بنية تحتية مالية تسمح بتسويات مباشرة مع شركائها. روسيا دخلت هذا الاتجاه من زاوية مختلفة، إذ فرضت عليها العقوبات الغربية البحث السريع عن قنوات دفع وتسوية أقل عرضة للضغط، فتحوّل تنويع القنوات من خيار اقتصادي إلى ضرورة سيادية. الهند تعاملت مع هذا التوجه بدرجة عالية من التحفظ والبراغماتية، ساعية إلى الاستفادة من المرونة الجديدة دون الدخول في ترتيبات قد تُقيّد استقلال قرارها النقدي أو تربك علاقاتها المالية المتشعبة. جنوب إفريقيا رأت في هذا الاتجاه فرصة لتعزيز موقعها داخل تجارة الجنوب العالمي وتحسين كفاءة التحويلات، مع الحفاظ على توازنها المالي الداخلي. أما البرازيل، فانخرطت بدافع عملي واضح، باعتبارها اقتصادًا تجاريًا وزراعيًا ضخمًا يرتبط بعلاقات عميقة مع آسيا، ويسعى إلى خفض كلفة التجارة الخارجية وتنويع أدواته المالية دون مغادرة النظام المالي العالمي أو معاداته.
ومن هنا، فإن ما يُشار إليه إعلاميًا بوصفه «النظام الجديد» لا يقوم على عملة موحدة، ولا على منصة واحدة بديلة لنظام سويفت، بل على بنية متعددة المستويات، تبدأ بتوسيع استخدام العملات الوطنية في التجارة البينية، وتمر بترتيبات مقاصة وتسوية ثنائية، واتفاقات مبادلة عملات بين البنوك المركزية، وتمتد إلى تمويل مشروعات التنمية بعملات محلية عبر مؤسسات مثل بنك التنمية الجديد. وهذه الخطوات، وإن بدت متفرقة في ظاهرها، إلا أنها تشترك في هدف مركزي واحد، هو كسر احتكار المسار الواحد دون كسر النظام نفسه.
حتى اللحظة، لم تصل هذه الجهود إلى مرحلة التشغيل الشامل أو الاستخدام التلقائي الواسع من قبل البنوك والشركات الكبرى، لكنها نجحت في بناء قدرة كامنة تجعل خيار التسوية خارج الدولار ممكنًا في ظروف محددة. وهذا بحد ذاته تطور بالغ الدلالة في تاريخ النظام المالي العالمي، لأن التحولات العميقة في هذا المجال لا تُقاس بالإعلانات أو التواريخ الرمزية، بل بمدى تراكم البنية المؤسسية والتقنية القادرة على العمل عند الحاجة. ولذلك فإن البحث عن «قفزة حدثت أمس» يعكس في جوهره سوء فهم لطبيعة التحول المالي، الذي يتحرك ببطء، لكنه يترك أثرًا طويل الأمد.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أن بعض الأحداث السياسية الكبرى، كعملية القبض الأمريكية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع يناير 2026، قد أطلقت موجة سرديات تتحدث عن «استجابات فورية» و«ضربات نظامية» و«بدائل مكتملة» جاهزة لكسر النظام المالي القائم خلال ساعات. غير أن هذه السرديات، مهما بدت جذابة أو تعبويّة، تخلط بين الحدث السياسي وبين طبيعة التحول المالي العميق، الذي لا يتحرك بمنطق الصدمة ولا يُدار بردود فعل آنية، بل يُبنى بتراكم مؤسسي وتقني طويل النفس، وتُقاس نتائجه بمدى الاستخدام والربط والاستدامة، لا بعناوين اللحظة.
وعند هذا الحد، لا يعود السؤال متعلقًا بدوافع الدول الكبرى المشاركة في هذا الاتجاه فحسب، بل يمتد إلى أثره على بنية النظام المالي العالمي ككل. فهذا المسار لا يشير إلى تهديد مباشر لمكانة الدولار، الذي لا يزال يحتفظ بدوره المركزي في الاحتياطيات الدولية وتسعير السلع وأسواق الدين، بقدر ما يعكس بداية تآكل احتكاره المطلق لمسارات الدفع والتسوية. وهو تآكل تدريجي وتراكمي، يدل على انتقال النظام المالي من أحادية القناة إلى تعددية المسارات. وهذه التعددية، إذا أُديرت بحكمة وتنسيق، قد تُحسّن كفاءة النظام المالي العالمي وتقلل كلفته، أما إذا أُسيء إدارتها، فقد تفتح الباب أمام تجزؤ مالي ومعياري يثقل كاهل التجارة الدولية.
وفي هذا السياق تحديدًا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن سؤال القوى الكبرى، وهو سؤال الدول التي لا تعاني فقط من تقلبات النظام المالي العالمي، بل من صعوبة النفاذ إليه أصلًا. فهل تمثل المسارات التي تتشكل بين سويفت وبريكس فرصة واقعية لهذه الدول للخروج من القيد، أم أنها ستظل حبيسة الهامش حتى داخل النظام الجديد؟ هذا السؤال، الذي يمس جوهر العدالة والكفاءة في النظام المالي العالمي، يستدعي معالجة مستقلة ومفصلة، وهو ما سيتناوله المقال التالي إن شاء الله.