بين المثال والواقع التعليم حين يختلّ المعنى

بهدوء وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي

بين المثال والواقع
التعليم حين يختلّ المعنى

لا تنهض الأمم من غير تعليم، ولا تُبنى الدول بغير عقلٍ مُكوَّن، ولا يُستدام عمرانٌ بغير معرفةٍ تُنتج فهمًا ومهارةً وأثرًا. فالتعليم، في جوهره، ليس قطاعًا خدميًا ولا بندًا إنفاقيًا، بل هو البنية العميقة التي تتشكّل فيها هوية المجتمع، وقدرته على الفهم والعمل واتخاذ القرار. وكل تجربة نهضوية حقيقية في التاريخ لم تبدأ إلا من سؤال التعليم: ماذا نُعلّم الإنسان؟ وكيف؟ ولأي غاية؟
غير أن التعليم الذي تنهض به الأمم ليس تعليمًا واحدًا ولا مسارًا أحاديًا، بل منظومة متكاملة تتنوّع فيها الأنواع وتتكامل فيها الوظائف. فالتعليم الأكاديمي يُنتج الفكر والتحليل وصناعة السياسات، والتعليم الفني والتقني يشكّل العمود الفقري للإنتاج، والتدريب المهني يوفّر المهارة القابلة للتوظيف، والتعليم التطبيقي يربط المعرفة بسوق العمل، والتعليم المستمر يواكب تحوّل المهن وتسارع العالم، بينما يضطلع التعليم القيمي والثقافي ببناء الإنسان المسؤول القادر على توظيف علمه في خدمة مجتمعه لا في تعظيم ذاته. وحين تُدار هذه الأنواع في تناغم، يصبح التعليم أداة نهضة شاملة، لا مجرد سلّم فردي للترقي الاجتماعي.
غير أن الخلل يبدأ حين يُختزل هذا المعنى الواسع في شهادة، وتُختصر المعرفة في لقب، ويُقاس النجاح بعبور امتحان لا بتكوّن عقل ولا باكتساب مهارة ولا بإنتاج أثر. عندها تفقد المنظومة التعليمية توازنها، ويختل معناها، وتتحول الشهادة من نتيجة طبيعية لمسار تكوين إلى غاية مستقلة بذاتها، قابلة للبيع أو التفريغ من مضمونها، دون أن تفقد شكلها. ومن هنا لا تعود أزمة التعليم مسألة تعليمية محضة، بل تصبح أزمة معنى ووظيفة ودور.
وبعد مراجعةٍ واسعة لما كُتب وتوفّر من دراسات وتقارير على المستوى العالمي، يتضح أن أزمة التعليم في كثير من دول العالم اليوم لم تعد مسألة نقص موارد أو ضعف مناهج فحسب، بل تحوّلت إلى إشكالٍ أعمق يمسّ معنى التعليم ذاته. ففي التصور الطبيعي، يُفترض أن تكون الشهادة خلاصة مسار معرفي طويل، وعلامة على تكوّن عقل قادر على الفهم والتحليل والعمل. غير أن الواقع يشهد نشوء صناعة موازية تُفرغ التعليم من جوهره، وتحول الشهادة من ثمرة علم إلى سلعة، ومن ضمان أهلية إلى قناع.
وتتغذّى هذه الظاهرة على جملة عوامل متداخلة، في مقدمتها التفاوت الحاد بين الأنظمة التعليمية من حيث الصرامة والمعايير، حيث تتجاور في العالم جامعات تُخضع برامجها لإشراف دقيق وتقييم صارم، وأخرى تكتفي بالحد الأدنى الشكلي، مما يتيح الانتقال السهل بين نظم تعليمية غير متكافئة القيمة، سواء عبر التحويل الأكاديمي، أو الاعتراف الإداري، أو التوظيف والترقية، دون فحص فعلي لعمق التكوين أو صرامة المسار العلمي. ويُضاف إلى ذلك ضعف آليات التنسيق والتحقق العابرة للحدود، بحيث لا توجد منظومة دولية موحّدة قادرة على فحص المسارات الأكاديمية لا الوثائق وحدها، فيُكتفى غالبًا بصحة الختم بدل سلامة التكوين. وقد أسهم اتساع السوق الرقمية في تعميق هذا الخلل، إذ كسرت المنصات الإلكترونية القيود الجغرافية، وأتاحت عرض المؤهلات والخدمات الأكاديمية في فضاء مفتوح يصعب ضبطه. ويضاعف من ذلك كله ضغط الطلب الاجتماعي والمؤسسي على “اللقب السريع”، في عالمٍ بات يختصر الزمن والمعرفة معًا، ويكافئ الوصول السريع إلى الشهادة أكثر مما يكافئ التكوّن البطيء العميق الذي يصنع الكفاءة الحقيقية.
وتتعدد صور الخلل، من التزوير الصريح للشهادات، إلى ما يُعرف بمصانع الشهادات ومصانع الاعتماد، إلى الغش التعاقدي الذي يزوّر مضمون الجهد العلمي نفسه، وصولًا إلى اختلال المسارات الأكاديمية ذاتها. ولا يقتصر هذا الخلل على درجة بعينها، بل يطال مختلف الدرجات العلمية، من الشهادات المهنية والدبلومات، إلى البكالوريوس والماجستير، وصولًا إلى الدرجات العليا كالدكتوراه، حين تُستوفى الإجراءات شكلًا دون أن يتحقق التكوين العلمي العميق الذي تقتضيه هذه الدرجات بطبيعتها. ففي هذه الحالات تكون الشهادة صحيحة إداريًا، لكنها قاصرة علميًا، وخطرة في أثرها، لأنها تعكس خللًا مؤسسيًا مُقنّنًا لا كفاءة حقيقية.
ويزداد الالتباس حين يكون صاحب الشهادة قد مرّ بكل المسار دون غش فردي، لكنه فعل ذلك داخل نظام تعليمي ضعيف المنهج، أو هش التقييم، أو صوري الإشراف. هنا لا يكون الخلل في نزاهة الفرد، بل في سلامة البناء الذي احتواه، فتخرج شهادة صحيحة في الورق، قاصرة في المضمون. وحين تُعامل هذه الشهادة، أكانت أولية أم عليا، بوصفها مكافئة لمسارات أكثر صرامة، يقع التضليل الوظيفي والمعرفي، لا عن سوء نية، بل عن خلل بنيوي.
ويجدر التنبيه هنا إلى أن ضعف المسار الأكاديمي، وإن لم يُكتشف بالضرورة في موضع منحه أو في بيئته المحلية، فإنه كثيرًا ما ينكشف لاحقًا، وبدرجة أوضح، عند الخروج إلى بيئات أكثر صرامة في التحقق. ففي إجراءات المعادلة والاعتراف الخارجي، أو في القبول للدراسات العليا، أو في سوق العمل الدولي، أو في المهن المنظمة التي تخضع لاختبارات مزاولة وترخيص، لا تُفحَص الشهادة بوصفها وثيقة فحسب، بل يُختبَر التكوين العلمي ذاته. وعند هذه النقطة تظهر الفجوة بين الشهادة والمسار الذي أنتجها؛ فتُرفَض المعادلة، أو تُقيَّد بشروط إضافية، أو يتعثر حامل الشهادة في المقابلات والاختبارات العملية. صحيح أن هذا الاكتشاف لا يحدث دائمًا وبالدرجة نفسها، لاختلاف صرامة الأنظمة المستقبِلة، ولأن بعض الأفراد يعوّضون نقص المسار بتطوير ذاتي لاحق، لكن القاعدة العامة تظل ثابتة: المسار الأكاديمي الضعيف قد ينجح في عبور التصديق الشكلي، لكنه نادرًا ما يصمد أمام اختبار الكفاءة الحقيقي خارج سياقه المحلي.
ولا يبدأ هذا الاختلال في الجامعة، بل في سنوات التعليم الأولى، حيث تتشكّل اللغة، ويتكوّن الفضول، وتُبنى علاقة الطفل بالمعرفة والانضباط والسؤال. فالتعليم المبكر الضعيف يراكم فراغًا معرفيًا لا يستطيع التعليم العالي — حتى إن أُنفِق عليه — إصلاحه لاحقًا، فتغدو الشهادة في نهايته وثيقة تغطية سطحية لما اختل في الجذور.
ومن هنا يصبح إصلاح التعليم ذاته، كقطاع قائم بذاته، ضرورة لا تقبل التأجيل. فالتعليم لا يُصلَح بالشعارات، ولا بالتوسع الكمي وحده، بل بتنزيل حزمة إصلاح متكاملة تشمل بيئة الدراسة من حيث المكان اللائق، والمختبرات، والمعدات، والمناهج الحية المتجددة، ونظم التقييم الرصينة التي تقيس الفهم والقدرة لا الحفظ، وقبل كل شيء الأستاذ العالم المؤهّل والمدرَّب، المتفرغ ذهنيًا لوظيفته العلمية، غير المشتت بقلق المعيشة وشحّ المرتبات وقصورها عن متطلبات الحياة الكريمة، مع تأمينٍ تامٍّ لمعاشه يشمل الضروري والتحسيني، بما يضمن كرامته وتفرغه لأداء رسالته العلمية.
غير أن هذا الإصلاح، على ضرورته، لا يؤتي ثماره في بيئة كلية مختلة. فحين يضعف نفاذ القانون، وتغيب الحوكمة، وتختلط السلطة بالمال، وتنهار منظومات الرقابة والمساءلة، وتغيب الرقمنة بوصفها أداة ضبط وشفافية، لا تتحقق المطلوبات المباشرة اللازمة لإصلاح بيئة التعليم ذاتها من تمويلٍ كافٍ، واستقرارٍ مؤسسي، ونظمٍ إدارية داعمة، وحمايةٍ للإجراء الأكاديمي، كما تُحمَّل الشهادة وظيفة الضمان الكامل للكفاءة في غياب أنظمة تقييم لاحقة، فينتقل الخلل من قاعة الدراسة إلى مواقع القرار، ويتحوّل التعليم المختل من أزمة قطاع إلى خطر بنيوي يهدد قدرة الدولة على التخطيط والإدارة وحماية المصلحة العامة.
وعند هذا الحد يتجاوز التعليم وظيفته التنموية ليغدو مسألة أمن معرفي وسيادي. فالدولة التي تُدار بعقول لم تتكوّن تكوينًا سليمًا تصبح عرضة لسوء التقدير وارتهان القرار وتكرار الفشل. وحين تفقد المجتمعات ثقتها في إنتاجها المعرفي، تلجأ إلى استيراد الخبرة على نحو دائم، فتفقد استقلالها المعرفي قبل أن تفقد سيادتها السياسية.
وهنا يجدر بنا أن ننظر في واقعنا نحن، وأن نسأل بصدق: أين نقف من بين هذه التصانيف؟ وأيّ نصيب لنا من هذه الاختلالات؟ ثم الأهم: ماذا نحن فاعلون لإصلاح أحوالنا؟ فالتغيير لا يبدأ من الشكوى، بل من الوعي، ولا يتحقق بالتمني، بل بالفعل المنظم، وقد قرّر القرآن الكريم هذه الحقيقة الكلية بقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.