بريطانيا والإمارات في حرب السودان: كيف غطّت لندن شبكة أبوظبي التي سلّحت ميليشيات الدعم السريع؟
وكالات / سودان سوا
كشفت تحقيقات حصرية لصحيفة الغارديان، مدعومة بصور أقمار صناعية ووثائق مسربة وتقارير أممية ومواد ميدانية من السودان، فضيحة مزدوجة في واحدة من أبشع حروب العالم اليوم: الإمارات تواصل تغذية ميليشيات الدعم السريع بالسلاح والدعم اللوجستي عبر شبكة تهريب إقليمية، وبريطانيا، صاحبة الموقع الأهم في إدارة الملف السوداني داخل مجلس الأمن، تختار حماية علاقتها السياسية والاقتصادية مع الإمارات بدل مواجهة الدور الإماراتي الذي مكّن المجازر في دارفور والفاشر وزمزم.
الحرب في السودان لم تعد صراعًا داخليًا بين الجيش السوداني وميليشيات الدعم السريع فقط. ما توثقه التحقيقات يكشف حربًا تُدار أيضًا من الخارج: أسلحة تمر عبر مطارات، طائرات شحن تتحرك بطرق ملتوية، طرق برية من تشاد وليبيا وإثيوبيا إلى دارفور، معدات عسكرية متطورة تظهر في ساحات القتال، وغطاء “إنساني” يُستخدم لإخفاء خطوط دعم عسكري. وفي قلب هذه الشبكة تقف الإمارات، التي رعت ميليشيات الدعم السريع ووفرت لها ما تحتاجه للاستمرار في الحرب، بينما وفرت بريطانيا بيئة سياسية وتسليحية ودبلوماسية سمحت لهذه الشبكة بالعمل دون ردع حقيقي.
منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، تحولت ميليشيات الدعم السريع إلى آلة تدمير واسعة ضد المدنيين. مئات الآلاف قُتلوا، وملايين شُرّدوا، وعشرات الملايين باتوا في مواجهة الجوع. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: من ارتكب الجرائم؟ بل: من جعل استمرارها ممكنًا؟ هنا يصبح الدور الإماراتي جوهر القضية، وتصبح بريطانيا شريكًا في الفضيحة لأنها كانت تعرف، وكانت تملك أدوات الضغط، لكنها واصلت التعامل مع الإمارات كشريك اقتصادي واستراتيجي لا كدولة تغذي حربًا مدمرة.
تقول الغارديان إن تقريرًا سريًا مسربًا أعده خبراء أمميون وثّق نمطًا ثابتًا من رحلات شحن من الإمارات إلى تشاد، باستخدام طائرات إليوشن Il-76TD، ثم انتقال الإمدادات عبر طرق برية إلى دارفور. ووفق ما كشفه التحقيق، كانت بعض هذه الطائرات تختفي عن التتبع في مراحل حاسمة من الرحلة، بما يطرح علامات واضحة حول عمليات سرية لتجنب الرصد. لم تكن هذه الرحلات هامشية أو عابرة؛ بل شكّلت ما يشبه “جسرًا جويًا” إقليميًا جديدًا يخدم خطوط الإمداد إلى ميليشيات الدعم السريع.
هذا المسار لا ينفصل عن موقع تشاد في الحرب. فمطار أم جرس في شرق تشاد، القريب من حدود دارفور، ظهر مرارًا في تقارير دولية باعتباره نقطة محورية في شبكة الإمداد. الإمارات قدّمت وجودها هناك باعتباره إنسانيًا، من خلال مساعدات ومستشفى ميداني، لكن التحقيقات والصور والوثائق وضعت هذا الغطاء تحت ضوء مختلف: طائرات شحن متكررة، مواد تتحرك نحو مناطق قتال، ثم ظهور أسلحة وطائرات مسيرة ومعدات متطورة بأيدي ميليشيات الدعم السريع داخل دارفور.
ليبيا أيضًا جزء من الشبكة. فمن خلال علاقتها القديمة بخليفة حفتر، بنت الإمارات نفوذًا عسكريًا واسعًا في شرق ليبيا، واستخدمت هذا النفوذ في حروب إقليمية سابقة. ومع حرب السودان، تحولت ليبيا إلى أحد الممرات المهمة في نقل السلاح والمعدات والمرتزقة نحو دارفور. هكذا لا تظهر الإمارات فقط كدولة تموّل من بعيد، بل كدولة تدير شبكة إقليمية من التحالفات والممرات، من ليبيا إلى تشاد، ومن إثيوبيا إلى السودان، لتمكين ميليشيات الدعم السريع من القتال والحصار والقتل.
تكمن خطورة ما كشفته الغارديان في أن بريطانيا لم تكن خارج الصورة. فالمملكة المتحدة ليست دولة عادية في الملف السوداني؛ هي “حاملة القلم” في مجلس الأمن بشأن السودان، أي الدولة المسؤولة عن قيادة وصياغة التحرك الدولي داخل المجلس. هذا الموقع يمنح لندن مسؤولية مباشرة في دفع القرارات، وتنظيم الاستجابة، وفرض الضغط السياسي والدبلوماسي عندما تتصاعد الفظائع. لكن بدل أن تستخدم بريطانيا هذا الموقع لمواجهة الإمارات وقطع خطوط دعم ميليشيات الدعم السريع، ظهرت كطرف يختار الصمت أو الحد الأدنى من التحرك.
الأخطر أن مصادر داخل الحكومة البريطانية ودوائر استخبارات غربية كانت تتلقى، بحسب تحقيقات الغارديان، تحذيرات في الوقت الحقيقي من أن مذابح عرقية وإبادة وشيكة قد تقع. وفي 11 أبريل/نيسان 2025، كانت ميليشيات الدعم السريع تبدأ هجومًا دام 72 ساعة على مخيم زمزم للنازحين في دارفور، أحد أكبر مخيمات النزوح في السودان. في ذلك الوقت نفسه، كانت بريطانيا تستعد لاستضافة مؤتمر حول السودان، وتملك موقعًا دبلوماسيًا يسمح لها بوضع الإمارات في قفص المساءلة. لكنها لم تفعل ذلك.
مجزرة زمزم كشفت ثمن هذا الصمت. فقد خلص تحقيق الغارديان إلى أن أكثر من 1500 مدني ربما قُتلوا خلال الهجوم على المخيم، مع شهادات متكررة عن إعدامات جماعية وعمليات خطف واسعة، بينما ظل مئات المدنيين في عداد المفقودين. ومع ذلك، لم يتحول المؤتمر البريطاني إلى لحظة مواجهة حقيقية مع الإمارات. لم تظهر أدلة على أن الوفد البريطاني واجه ممثلي الإمارات بدورها في دعم ميليشيات الدعم السريع، كما أن البيان الختامي للمؤتمر تجاهل المجزرة نفسها ولم يذكر مخيم زمزم، رغم أن الدم كان لا يزال ينزف هناك.
بعد زمزم، جاءت الفاشر. في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وبعد حصار طويل، سيطرت ميليشيات الدعم السريع على المدينة، آخر معقل رئيسي للجيش السوداني في دارفور. ما حدث في الفاشر لم يكن “سقوط مدينة” فقط، بل مجزرة مروعة ضد المدنيين. تحدثت الغارديان عن احتمال مقتل ما يصل إلى 10 آلاف شخص خلال يومين، وعن عشرات الآلاف الذين ظلوا في عداد المفقودين. ووصفت جهات أممية وحقوقية ما جرى بأنه يحمل سمات الإبادة ضد المجتمعات غير العربية.
في هذا السياق، يصبح السلاح ليس تفصيلًا فنيًا، بل خط الجريمة نفسه. فقد كشفت الغارديان أن معدات عسكرية بريطانية الصنع ظهرت في مواقع قتال في السودان، بما في ذلك أجهزة تدريب وتصويب للأسلحة الصغيرة ومحركات بريطانية الصنع داخل مركبات مدرعة من نوع نمر عجبان، وهي مركبات إماراتية التصنيع. هذه المعدات كانت قد صدّرت إلى الإمارات، ثم وُجدت لاحقًا في ساحات قتال مرتبطة بميليشيات الدعم السريع. وهنا تتضح الفضيحة: بريطانيا صدّرت، الإمارات حوّلت أو سهّلت، والميليشيات قتلت.
الأمر لا يتعلق بشحنة واحدة ضائعة أو خطأ رقابي بسيط. فالغارديان تشير إلى أن الحكومة البريطانية استمرت في إصدار تراخيص تصدير معدات عسكرية إلى الإمارات حتى بعد وصول مواد إلى مجلس الأمن تربط معدات بريطانية بساحات القتال في السودان. كما أن بعض التراخيص كانت من النوع المفتوح، الذي يسمح بتصدير كميات غير محدودة من المعدات خلال فترة الترخيص، دون رقابة حقيقية على الوجهة النهائية. وهذا يعني أن نظام الرقابة البريطاني لم يفشل عرضًا، بل عمل بطريقة تسمح باستمرار الخطر رغم المعرفة السابقة بمسارات التحويل.
تكتمل صورة التواطؤ عندما ننظر إلى المصالح الاقتصادية. في الوقت الذي كانت فيه دارفور تحترق، كانت بريطانيا تطارد استثمارات إماراتية ضخمة في العقارات، والرياضة، والطاقة، والشركات، والأسواق. الإمارات ليست فقط شريكًا سياسيًا للندن، بل مستثمرًا ضخمًا في الاقتصاد البريطاني، من الأندية الرياضية إلى الصفقات العقارية والبنية التحتية. لذلك لم يكن الصمت البريطاني فراغًا أخلاقيًا فقط، بل نتيجة حسابات مصالح واضحة: لا تغضب الإمارات، حتى لو كانت خطوط إمدادها تغذي ميليشيات ترتكب جرائم إبادة وتطهير عرقي في السودان.
المفارقة أن الحكومة البريطانية تعلن أنها تدين جرائم ميليشيات الدعم السريع، وتقول إنها تقود جهودًا في الأمم المتحدة وتدعو إلى وقف العنف ومحاسبة المسؤولين. لكن هذه اللغة الرسمية تنهار أمام الوقائع: بريطانيا لم تسمِّ الإمارات كراعٍ رئيسي لشبكة الدعم، ولم تضغط عليها علنًا بالقدر المطلوب، وواصلت منح تراخيص سلاح لدولة ترتبط معداتها وطرقها ومطاراتها بخطوط إمداد الميليشيات. الإدانة هنا تتحول إلى خطاب فارغ عندما تستمر المصالح التي تغذي الجريمة.
وقد كشفت شهادة ناثانيال ريموند، الباحث في مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل، جانبًا أخطر من السلوك البريطاني. فوفق ما نُقل عنه أمام لجنة برلمانية، تلقت بريطانيا معلومات تربط منشآت إماراتية وإثيوبية بدعم ميليشيات الدعم السريع، لكنها لم تعلنها بسبب “ضغط خاص كبير” من الإمارات. بل إن مسؤولين بريطانيين، بحسب شهادته، طلبوا من جهة خارجية نشر التحليل بدل أن تنشره الحكومة نفسها، لأن لندن كانت مكبلة بحساباتها مع الإمارات. هذا ليس عجزًا؛ هذا قرار سياسي بحماية العلاقة مع أبوظبي على حساب المدنيين في السودان.
هكذا يصبح دور بريطانيا مزدوجًا: من ناحية، تملك القلم في مجلس الأمن وتدّعي قيادة الاستجابة الدولية؛ ومن ناحية أخرى، تترك الإمارات خارج دائرة الضغط الحقيقي، وتواصل صادرات السلاح، وتتجنب المواجهة السياسية مع الدولة التي تظهر في قلب شبكة دعم ميليشيات الدعم السريع. إنها ليست مجرد دولة صامتة، بل دولة تملك المسؤولية والأدوات والمعلومات، ثم تختار أن تتحرك بأقل مستوى ممكن.
أما الإمارات، فهي تحاول تسويق نفسها كدولة مساعدات وسلام، بينما تكشف الوثائق والصور ومسارات الشحن واقعًا مختلفًا: طائرات، مطارات، طرق تهريب، تحالفات مع قوى عسكرية إقليمية، معدات متطورة، وغطاء إنساني يتحول إلى ستار لخطوط الإمداد. من دارفور إلى زمزم والفاشر، لا تظهر الإمارات كوسيط، بل كراعٍ لشبكة مسلحة صنعت قوة ميليشيات الدعم السريع ومدّتها بما جعلها قادرة على الحصار والتجويع والقتل الجماعي.
وتتفاقم الفضيحة لأن جرائم ميليشيات الدعم السريع لم تكن مجهولة. هذه الميليشيات متهمة وموثقة بحقها جرائم حرب، جرائم ضد الإنسانية، تطهير عرقي، عنف جنسي واسع، استهداف للأطفال، وتدمير ممنهج للمدن والقرى. وبعد كل هذا، لم يعد ممكنًا التعامل مع أي دعم مالي أو عسكري أو لوجستي لها كخلاف سياسي أو خطأ دبلوماسي. دعم هذه الميليشيات يعني المشاركة في تمكين الجريمة.
التقرير الذي نشرته الغارديان لا يكشف فقط مسارات السلاح إلى السودان، بل يكشف مسارًا آخر: مسار الإفلات من العقاب. الإمارات تنفي، بريطانيا تراوغ، مجلس الأمن يتحرك ببطء، والضحايا يُدفنون في دارفور. وبينما تتحدث لندن عن القانون الدولي، تظل المعدات البريطانية تظهر في الحرب، وتظل الإمارات بعيدة عن العقوبات الجادة، وتظل ميليشيات الدعم السريع قادرة على مواصلة القتل.
إن فضيحة السودان اليوم ليست فقط أن ميليشيات الدعم السريع ارتكبت مذابح. الفضيحة أن دولة مثل الإمارات رعتها ومولتها وسلحتها، وأن دولة مثل بريطانيا عرفت الكثير، وملكت الكثير من النفوذ، ثم فضّلت أن تحمي علاقتها بأبوظبي. ما جرى في زمزم والفاشر لم يكن قدرًا محتومًا؛ كان نتيجة شبكة دعم وسكوت وتواطؤ.
لذلك، فإن أي مسار حقيقي لمحاسبة جرائم السودان يجب أن يبدأ من الميدان، لكنه لا يتوقف عنده. يجب أن يصل إلى أبوظبي، حيث شبكة المال والسلاح والغطاء اللوجستي. ويجب أن يصل إلى لندن، حيث تراخيص السلاح، والصمت الدبلوماسي، وحسابات الاستثمار، والتقاعس المتعمد عن استخدام موقع بريطانيا في مجلس الأمن لحماية المدنيين.
دارفور لم تُذبح فقط بسلاح الميليشيات. ذُبحت أيضًا بصمت الدول التي عرفت، وبأموال الدول التي موّلت، وبمعدات الدول التي صدّرت، وبقرارات الحكومات التي وضعت مصالحها مع الإمارات فوق حياة السودانيين.