عقبة ياس.. حين يلتقي الساحل بالجبل/ بقلم: محيي الدين شجر

عقبة ياس.. حين يلتقي الساحل بالجبل
بقلم: محيي الدين شجر
منذ أول زيارة لي إلى مشروع عقبة ياس بمحلية القنب والأوليب بولاية البحر الأحمر ، أيقنت أن هذا المشروع ليس مجرد طريق وإنما أحد أهم المشروعات الاستراتيجية التي يمكن أن تعيد رسم خارطة التنمية في شرق السودان، وتفتح آفاقاً اقتصادية وتنموية واسعة للبلاد.
وخلال زيارتي الميدانية قبل يومين، للعقبة برفقة الزميل الأستاذ محمود صالح عبد الله، مسؤول الإعلام بالهيئة القومية للطرق والجسور وممثل الهيئة المهندس إبراهيم محمد آدم، وقفنا على سير أعمال الدراسة التفصيلية للطريق التي تكفلت بها الهيئة القومية للطرق والجسور، بطول 46 كيلومتراً، تبدأ من النقطة صفر أمام طواحين الذهب وحتى عقبة ياس.
وعلى امتداد الطريق، لمسنا حجم الجهد المبذول من قبل الشركة المنفذة، حيث يعمل المهندسون والفنيون والعمال تحت أشعة الشمس الحارقة لإنجاز أعمال المساحة والدراسات الفنية في منطقة شديدة التعقيد، يمر الطريق خلالها عبر الخيران، ويتوسط خور أربعات، الأمر الذي يتطلب دراسات هندسية دقيقة تضمن سلامة الطريق واستدامته لعقود طويلة.
ويستحق المهندس أحمد عثمان الشيخ، المدير العام للهيئة القومية للطرق والجسور، كل التقدير، بعد أن تكفلت الهيئة بتمويل عقد الدراسة البالغ 528 مليون جنيه، وهي مساهمة تؤكد إيمانها بأهمية المشروع. كما تستحق مبادرة المهندس إبراهيم محمد آدم الإشادة لمتابعته الحثيثة وإصراره على استكمال الدراسات وفق أعلى المعايير الفنية.
وأكد المهندس محمد شقواب، المسؤول الفني للنفرة  الشعبية لفتح عقبة ياس، أن الأعمال الفنية دخلت مراحلها الأخيرة، وأن الجهود تتركز حالياً على توسيع المداخل في آخر مراحل العقبة، باعتبارها الجزء الأكثر تعقيداً لمرور الطريق بين جبلين، بما يتطلب معالجات هندسية خاصة.
والمهندس شقواب يتحمل عبء العمل الفني في المشروع ويقضي كل وقته بين الجبال والتلال والخيران لاتمام العمل..
ومن المعروف أن رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وجّه هيئة الموانئ البحرية والشركة السودانية للموارد المعدنية بالمساهمة في تمويل رصف العقبة بطول ثلاثة كيلومترات، حيث أُسند التنفيذ إلى شركة شريان الشمال، التي تسلمت 30% من قيمة العقد، وهو ما يعكس اهتمام الدولة بالمشروع.
لقد بدأت فكرة فتح عقبة ياس بإرادة شعبية صلبة من أبناء المنطقة، الذين آمنوا بحقهم في طريق يربط بين الساحل والجبل، بعد سنوات طويلة من المعاناة في التنقل بين محليتي القنب والأوليب. واليوم أصبحت الفكرة مشروعاً وطنياً يحمل في طياته بشائر التنمية.
فالمنطقة الواقعة خلف العقبة تزخر بموارد طبيعية كبيرة من المياه والزراعة والثروة الحيوانية، إلا أن ضعف البنية التحتية ظل يحول دون استغلال هذه الإمكانات بالشكل الأمثل.
ومن أهم مزايا الطريق أنه سيختصر المسافة بين بورتسودان وأبو حمد بنحو 300 كيلومتر، إذ تنخفض الرحلة من نحو 650 كيلومتراً عبر الطريق التقليدي إلى قرابة 350 كيلومتراً عبر عقبة ياس، وهو ما سيخفض تكلفة النقل، ويعزز حركة التجارة، ويفتح الباب أمام تنفيذ مشروعات استراتيجية، أبرزها مشروع نقل مياه النيل من أبو حمد إلى بورتسودان.
والتحية والتقدير لوالي البحر الأحمر الفريق الركن مصطفى محمد نور، الذي وجه باستكمال المشروع ودعمه بقوة، مزيلاً كثيراً من الصعاب، وكان المحفز لاستمرار العمل.
ومن قبله الوالي السابق فتح الله الحاج أحمد، الذي دعم المشروع وكان قد قرر إدراجه ضمن ميزانية 2026.
ورغم ما تحقق من إنجازات، فإن الطريق لا يزال يحتاج إلى تضافر جهود الجميع. فبعد اكتمال الدراسة التفصيلية، ينبغي أن تتوجه الأنظار نحو توفير التمويل اللازم لرصف الطريق بالكامل، إلى جانب إعداد دراسة تمتد من العقبة حتى أبو حمد، تمهيداً لتنفيذ هذا الجزء بالشراكة مع ولاية نهر النيل، باعتبارها من أكبر المستفيدين من المشروع.
إن عقبة ياس مشروع تنموي متكامل، سيغير حياة آلاف المواطنين، ويخلق ممراً اقتصادياً جديداً يربط شرق السودان بوسطه وشماله، ويمنح الاستثمار والزراعة والتعدين والتجارة دفعة قوية. وما تحقق حتى الآن هو ثمرة جهود مخلصة تستحق الإشادة، لكن النجاح الحقيقي سيكون عندما تتحول هذه الدراسات والأعمال إلى طريق معبد يخدم الأجيال القادمة ويصبح أحد أهم شرايين التنمية في السودان.
ولهذا أدعو كافة المؤسسات الاقتصادية إلى دعم المشروع، وخاصة شركات تعدين الذهب، حيث تُعد محلية القنب والأوليب من المناطق الغنية بالذهب. وأدعو إلى إنشاء صندوق خاص بالطريق، دون إغفال مساهمة التعدين الأهلي كذلك.
ولا يمكن أن يتقاعسوا عن دعم طريق يجدون فيه المصلحة ويدعم نشاطهم.