ما بين شيخ الأمين وموسى البدري .. وبيان الحق في مسألة “الطلاسم” و”الغيبة”.

بسم الله الرحمن الرحيم

ما بين شيخ الأمين وموسى البدري .. وبيان الحق في مسألة “الطلاسم” و”الغيبة”.

فهذا تحرير علمي في الفرق بين اللفظين وحكم إطلاقهما على القرآن:-

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:-

فقد إنتشر فيديو لأحد الدعاة “موسى البدري” تضمن زلة فاحشة في حق كتاب الله، حيث وصف القرآن بأنه “غيبة” و”قطيعة”.

وبعد الضجة التي أحدثها المقطع وإنكار الناس عليه، انتشر فيديو آخر لشيخ الأمين يقول فيه: “القرآن دا ما فيهو طلاسم”.

وبدأ بعض الناس يروّج لهذا الفيديو وكأنه مقابل لخطأ موسى البدري، أو لتغطية عليه، أو لمساواة الرجلين في الخطأ.

فليس دفاعاً عن شخص، وإنما هو بيان للحق الذي أوجبه الله. قال تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}.

والخلاف هنا ليس في الأشخاص، وإنما في ضبط الألفاظ، وصيانة جناب القرآن الكريم عما لا يليق. وقد قُورن في النقاش بين قولين: قول موسى البدري ووصفه القرآن بـ”الغيبة”، وقول شيخ الأمين أن “القرآن فيه طلاسم” .. وبينهما فرق كالفرق بين المشرق والمغرب، والعدل يقتضي بيانه حتى لا يُلبّس على الناس:-

أولاً: لابد من تحرير معنى اللفظين. ليعرف الفرق بينهما
لفظ “الغيبة” لا يحتمل إلا معنى واحداً:-

– لغة واصطلاحاً: ذِكر المرء بما يكرهه بظهر الغَيب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: *”ذِكْرُك أخاك بما يكره”.

– أركانه: ذكر، وعيب، وكراهة. فهو متضمن للنقص والذم قطعاً.

2. لفظ “الطلسم” مشترك يحتمل معاني:-

– طِلسَم: الجمع طَلاسِم.
– المعنى اللغوي الأصيل: لغز، شيء غامض ومبهم. شيء عجيب. تقول: سر مطلسم، وكلام مطلسم، أي غامض.
– فَكَّ طِلْسَمَ الشيء : وضحه، فسره وكشف أسراره.
– المعنى العرفي عند السحرة: ما يكتبه الدجالون. وهذا معنى حادث.

فالأول لا يحتمل إلا الذم، والثاني يحتمل المدح والذم بحسب المراد.

ثانياً: ميزان الحكم على القولين .. لماذا يُنكر على الأول ويُنصف الثاني.

1. قول موسى البدري “القرآن غيبة/قطيعة” باطل محرم بالإجماع لأن الغيبة تقتضي نسبة العيب والنقص، والقرآن منزه عن العيب من كل وجه. قال تعالى: {لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ}. فهذا اللفظ سوء أدب عظيم، وافتراء على الله، لا وجه له في الصحة أصلاً، ومن قاله استتيب. ولا نعلم أحداً من أهل العلم أجازه.

2. قول شيخ الأمين “القرآن فيه طلاسم” له وجه صحيح إذا بُين المراد، فإن قصد بالطلسم المعنى اللغوي وهو “المبهم الغامض”، فالمعنى حق لا مرية فيه. والدليل من سياق كلامه ومن كلام غيره ممن استعمل اللفظ أنهم يقصدون: “أتحدى أي شخص يفسر لي الم تعني شنو وكهيعص وحم”. أي أن في القرآن ما هو مبهم على السامع، كالحروف المقطعة: *الم، حم عسق، كهيعص*.

وهذا حق قرره القرآن نفسه: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} فالحروف المقطعة من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، وهي مبهمة المعنى عند جمهور المفسرين.وليس الإبهام نقصاً إذا كان من عند الله لحكمة يعلمها.

وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم ألفاظاً مبهمة في الرقية: “باسم الله، شَجَّةٌ قَرَنيَّةٌ مِلْحَةُ بَحْرٍ قَفْطَا”. قال: “لا أرى بها بأساً”. رواه الهيثمي في مجمع الزوائد. فدل على أن وجود المبهم لا يقتضي الذم.

ثالثاً: الفرق بين صحة المعنى وكراهة اللفظ:-

1. المعنى الذي أراده صحيح*: فإثبات أن في القرآن ما هو مبهم المعنى هو عين مذهب أهل السنة في المتشابه. فمن هذه الجهة، قوله لا غبار عليه، بل هو موافق للقرآن والسنة.

2. اللفظ الذي اختاره موهم والأولى تركه: نعم، نتفق أن لفظ “الطلسم” صار في عرف الناس مرتبطاً بالسحرة، وقاعدة أهل العلم: “الألفاظ الموهمة التي تحتمل حقاً وباطلاً يُمنع من إطلاقها على الله وصفاته وكلامه” صيانةً للجناب الإلهي.

والقاعدة: “المفسر مقدَّم على المحتمل، والتصريح بالمراد يرفع الإيهام”. فإذا صرّح المتكلم أنه يقصد “المبهم”، لم يجز أن نلزمه بمعنى السحر الذي تبرأ منه.

رابعاً: الخلاصة العادلة التي ندين الله بها:-

1. قول “القرآن غيبة”: باطل محرم قطعاً، لأنه يتضمن نسبة العيب والنقص لكلام الله، ولا يحتمل معنى صحيحاً. والواجب التوبة منه والإنكار على قائله. ولا يجوز تغطية هذا الخطأ بإخراج زلات أخرى.

2. قول “القرآن فيه طلاسم” بمعنى “فيه مبهم”: المعنى صحيح، والدليل عليه من القرآن والسنة.

3. الحق الوسط: أن في القرآن محكماً ومتشابهاً. فأما المحكم فنعمل به، وأما المتشابه فنؤمن به ونكل معناه إلى الله، ونقول: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}.

4. العدل مع الناس: فنخطّئ من نسب للقرآن العيب الصريح، ونعذر من أختار لفظ يحتمل الذم و المدح مع صحة المقصد، مع نصحه باختيار الأحسن الذي لا يتشابه علي الناس. ولا نسوي بين المقامين.

هذا بيان للحق، لا انتصار لفلان ولا تعصب على فلان. فإن كان شيخ الأمين أراد بالطلسم المعنى اللغوي “المبهم”، فقد أصاب المعنى، وننصحه وننصح أنفسنا بترك اللفظ الموهم إلى ما هو أبلغ لتفادي التشابه.

نسأل الله أن يرزقنا الأدب مع كتابه، وأن يعصمنا من الزلل في القول والعمل.

د. أحمد عبدالحفيظ أحمد
22 أبريل 2026م