كهرباء بورتسودان بين بارجتين: من يعطّل الحل الأرخص… ومن يدفع الثمن ؟

كهرباء بورتسودان بين بارجتين: من يعطّل الحل الأرخص… ومن يدفع الثمن ؟
بقلم محيي الدين شجر
صيف بورتسودان يطرق الأبواب، ومعه تعود الأزمة القديمة بثوب أكثر قسوة: قطوعات متكررة، أحمال زائدة، وحلول إسعافية تتحول إلى ملفات غامضة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس تقنيًا بقدر ما هو سياسي وأخلاقي: من الذي يعرقل وصول الحل الأرخص؟
في المشهد الحالي، تبدو المفارقة صادمة. بارجة تركية مرتفعة التكلفة، بعقد يصل إلى نحو 7.1 سنت للكيلوواط، تستمر في العمل رغم محدودية كفاءتها واعتمادها على الخط القومي. في المقابل، بارجة بنغلاديشية أقل تكلفة — نحو 4.9 سنت — وقادرة على تغذية بورتسودان مباشرة، بل ومصحوبة بمنحة محطة طاقة شمسية بقدرة 100 ميغاواط… ومع ذلك تتعثر.
هنا لا يعود الحديث عن فوارق أسعار فحسب، بل عن منطق إدارة الدولة. كيف يمكن لحكومة ترزح تحت أعباء الحرب والضائقة الاقتصادية أن تستمر في خيار أعلى كلفة، بينما يتأخر خيار أقل كلفة وأكثر مرونة؟ ومن الذي يستفيد من هذا التأخير؟
المعلومات المتداولة تشير إلى أن الشركة البنغلاديشية فازت بالعطاء بشفافية، باعتبارها الأرخص، لكن الإجراءات تعطلت. في المقابل، تم تمديد التعاقد مع البارجة التركية، بدايةً على فترات قصيرة، ثم انتهى الأمر بعقد يمتد لعام كامل. هنا تتحول “الحلول الإسعافية” إلى التزامات طويلة ومكلفة.
الأخطر من ذلك هو ما يُتداول عن وجود ضغوط أو “لوبي” يعمل على تعطيل البدائل، والإبقاء على الوضع الحالي. هذه اتهامات خطيرة، لا يجوز إطلاقها جزافًا، لكنها — إن صحت — تضعنا أمام اختلال عميق في منظومة اتخاذ القرار، حيث تتحول مصلحة العامة إلى ضحية لمصالح ضيقة.
أما الحديث عن تدخلات واتصالات خارجية من تركيا غير رسمية لتوجيه القرار، فهو إن ثبت، لا يمثل فقط تجاوزًا إداريًا، بل تهديدًا مباشرًا لشفافية مؤسسات الدولة. فملف كهرباء بورت سودان ليس مجالًا للهمس ولا للصفقات غير المعلنة، بل قضية تمس حياة الناس يوميًا.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض القرارات ربما اتُّخذت تحت ضغط الواقع: أزمة كهرباء خانقة، مدينة على حافة الانقطاع، ومسؤولون يبحثون عن أي حل سريع. لكن حتى في أقسى الظروف، يبقى السؤال: هل كان الحل المؤقت مبررًا للاستمرار في الخيار الأعلى تكلفة؟
ما يحدث اليوم في بورتسودان ليس مجرد أزمة كهرباء، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة مواردها بشفافية وكفاءة. المواطن لا يعنيه اسم البارجة، ولا جنسيتها، بقدر ما يعنيه كهرباء مستقرة..
إن استمرار الغموض حول هذا الملف يفتح الباب واسعًا أمام الشكوك، ويقوّض الثقة في القرارات الحكومية. لذلك، فإن المطلوب ليس تبريرات، بل إجابات واضحة:
من عطّل؟ ولماذا؟ ومن المستفيد؟
وفي ظل هذه الأسئلة، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف… يدفع الفاتورة مرتين: مرة من ماله، ومرة من معاناته في الظلام.
الملف مفتوح… والحقائق لا بد أن تُقال.