أصابت مريم الهندي وأخطأ أصحاب الأغراض

أصابت مريم الهندي وأخطأ أصحاب الأغراض


بقلم: محيي الدين شجر
انطلقت حملات منظمة ضد رئيس مجلس السيادة، القائد العام الفريق الركن عبد الفتاح البرهان، عقب استقباله للواء النور قبة، أحد القيادات الرفيعة في الدعم السريع. حملات لم تكتفِ بالانتقاد، بل سعت إلى شيطنة المشهد وتزييف معناه، وكأن كل من يعود إلى حضن الدولة يجب أن يُستقبل بالرفض لا بالاحتواء.
في تقديري، ما حدث ليس خطأً سياسياً، بل خطوة ذكية تحمل أبعاداً عسكرية وسياسية ونفسية. عودة لواء بحجم النور قبة إلى صفوف الجيش تمثل مكسباً حقيقياً، و”فتحاً” جديداً للحكومة السودانية، لأنها تعني ببساطة أن معسكر الدعم السريع لم يعد متماسكاً كما يُراد تصويره.
من يهاجمون هذا الاستقبال يتجاهلون قاعدة بسيطة في الحروب: تفكيك خصمك من الداخل أهم من مواجهته من الخارج. انحياز قائد ميداني رفيع إلى صفوف الجيش لا يُقرأ بالعاطفة، بل يُفهم في سياق موازين القوى.
ولعل أقرب تشبيه لذلك، ما حدث في الساحة الرياضية عندما انتقل كابتن الهلال هيثم مصطفى إلى المريخ. رغم أنه كان خصماً شرساً، أذاق المريخ مرارة الهزائم، إلا أن جماهيره احتفت به، واستقبلته استقبال الأبطال، لأنها رأت في انتقاله مكسباً لها، لا جريمة تستحق الإدانة.
لكن ما هو أخطر من النقد، هو ما رافق هذه الحملة من تضليل فجّ، عبر نشر صور مفبركة ومقارنات مغلوطة، في محاولة لإدانة مشهد استقبال البرهان للنور قبة. تم خلط صورة احتضان إنساني لامرأة نازحة بمشهد استقبال عسكري لقائد عاد إلى الدولة، وكأن الرسالة المقصودة هي صناعة الغضب بأي وسيلة، ولو بالايحاء المفضوح لكل صاحب بصر وعقل .
وسط هذا الضجيج، برز صوت مختلف… صوت المهندسة مريم الهندي، التي قالت ما ينبغي أن يُقال. تحدثت بوضوح، ودافعت عن خطوة الاستقبال باعتبارها خطوة في اتجاه السلام، لا الحرب. وأصابت في توصيفها حين قالت إن الدولة يمكن أن تستقبل حتى حميدتي نفسه إذا عاد إلى حضن الوطن وترك التمرد.
حديثها لم يكن ترفاً فكرياً، بل قراءة عميقة لمفهوم السلام. فالسلام لا يتحقق فقط بهزيمة الخصم، بل بعودته. لا يُقاس بعدد المعارك، بل بعدد من يختارون تركها. عودة المتمرد، كما قالت، هي في حد ذاتها انتصار للدولة، وإقرار ضمني بشرعيتها.
الأهم في حديثها، أنها وضعت المشهد في إطاره الصحيح: من عاد، إنما عاد لأنه أدرك أن الدولة هي الحاضنة، وأن طريق الحرب لا يقود إلا إلى الانكسار. وهذا ما حدث بالفعل. النور قبة لم يأتِ من موقع قوة، بل من قناعة بأن الاستقرار لا يكون إلا داخل الدولة، لا خارجها.
ولمن يزايدون، فإن هذه العودة ليست سابقة. تجربة “كيكل” ماثلة أمام الجميع؛ عاد بعد أن كان في صفوف الدعم السريع، وساهم لاحقاً في تحقيق مكاسب ميدانية مهمة للجيش، رغم ما يُؤخذ عليه من ماضٍ ثقيل. كذلك عاد مستشارون وقيادات أخرى، وكان لكل عودة أثرها في إضعاف الطرف الآخر.
الحروب لا تُدار بالنقاء المثالي، بل بحسابات الواقع. ومن يفهم طبيعة الصراع، يدرك أن كل انسلاخ من الدعم السريع هو إضافة مباشرة للدولة، لأنه يضعف الخصم ويمنح الجيش معرفة أدق بتكتيكاته وتحركاته.
في النهاية، ليست القضية في من استُقبل، بل في معنى الاستقبال. هل نريد حرباً بلا نهاية، أم باباً يُفتح لكل من يريد العودة؟
الإجابة عند من يرى أبعد من لحظة الانفعال.
مريم الهندي أصابت…
وأخطأ أصحاب الأغراض