رسالة أخيرة ……ماذا طلب الدعيتر من صديقه بكسلا !

متابعات  / سودان سوا

رصد:سيف الدين آدم هارون
في أيامه الأخيرة، حين كانت الحياة تمضي به بهدوء نحو نهاياتها، لم يكن همّ الدرامي السوداني مختار بخيت، المعروف بـ”الدعيتر”، نفسه بقدر ما كان قلبه مشغولاً بالآخرين.
أمسك هاتفه، بصوتٍ أنهكه المرض ولم تُطفئه الإنسانية، وسجّل رسالة إلى صديقه رجل الأعمال عبداللطيف الداؤدي في كسلا. لم تكن رسالة وداع بقدر ما كانت وصية أخلاقية، تختصر تجربة إنسان عاش للفن والناس.
قال له، في هدوءٍ عميق: سامح.
كان يعلم أن ابن صديقه تعرّض لطعنة كادت تودي بحياته، وأن الجرح لم يكن في الجسد وحده. لكنه، ورغم ذلك، اختار أن يرى ما وراء الألم. رأى شباباً يخطئون، ومجتمعاً يحتاج إلى من يطفئ النار لا من يزيدها اشتعالاً.
طلب منه أن يعفو عن الشاب. أن يقبل الاعتذار من أسرته. أن يفتح باباً للحياة بدلاً من أن يُغلقه.
لم يكن ذلك غريباً على الدعيتر. فقد عاش فترة نزوحه في كسلا بين أهلها، وبينهم الداؤدي، الذي لم يكن بالنسبة له مجرد صديق، بل “شقيق”. أحب المدينة كما أحب ناسها، وظل يحملها في قلبه حتى وهو بعيد.
في رسالته، تحدّث عن شوقه للعودة. عن حلم لم يكتمل: عمل درامي يرسّخ التعايش السلمي، ويُعيد للناس إيمانهم ببعضهم. قال إنه، رغم وجوده في السعودية، لا يشعر بالانتماء الكامل إلا في السودان… بكل مدنه، بكل بساطته، بكل أهله الطيبين.
ثم، وكأنه يطمئن صديقه، أشار إلى أنه أجرى عملية في عضلة القلب وتعافى منها. لكن ما لم يقله صراحة، كان واضحاً بين الكلمات: أن القلب الذي تعافى طبياً، ظل مشغولاً بوجع الناس.
رحل الدعيتر، لكن رسالته بقيت.
رسالة تقول إن العفو ليس ضعفاً، بل شجاعة.
وأن المجتمعات لا تُبنى بالقصاص وحده، بل بالتسامح أيضاً.
وأن الفن الحقيقي لا ينتهي عند الشاشة… بل يبدأ من مواقف كهذه.