اميمة عثمان تكتب : “يااااابت”… النداء الذي لم يغادر طفولتي
اميمة عثمان تكتب : “يااااابت”… النداء الذي لم يغادر طفولتي
منوعات : سودان سوا
بعض ما نمر به من أحداث يتفلت من قبضة الزمان والمكان ويتجاوز حدود المألوف ويستقر في أعماقنا كندبة لا ترى لكنها تعيد تشكيلنا بصمت عنيد تظل تلك اللحظات عالقة بين شد وجذب بين استقامة وانكسار تعيد صياغة ملامحنا ظاهرا وباطنا وكم نتمنى لو أمكننا تمزيق صفحاتها أليست الحياة كتابا كما يقولون
كانت تلك الليلة وأنا ابنة ست سنوات أو تزيد قليلا بداية فصل لم يطو قط لم تغادرني تفاصيله لا كهاجس عابر ولا كذكرى باهتة بل كحقيقة حاضرة تتنفس داخلي
كنا عائدتين من عرس في قريتنا الوادعة ليلة تشبه مئات الليالي التي سبقتها حتى بدت مألوفة حد الاطمئنان السماء بلا قمر سوداء كحبر أريق على سطور الأساطير التي طالما غذى بها الكبار خيال الصغار قصص قيل إنها للحذر لكنها كانت تزرع فينا خوفا أكبر من قدرتنا على فهمه كنا نداري النعاس بضحكات متقطعة إلى أن أغلقت رفيقة الطريق باب بيتهم وتركتني وحدي في الزقاق الضيق المؤدي إلى منزلنا
بدت الأزقة أضيق من المعتاد أو لعل الخوف هو من ضيقها بيوت القرية متعانقة كأنها تتواطأ على احتضان بعضها لكنني في تلك اللحظة شعرت أنني مكشوفة تماما أسرعت الخطى وأنفاسي تتلاحق كأنني أهرب من شيء لم يتجسد بعد
وفجأة شق السكون صوت أجش يااااابت يااااابت
تجمدت في مكاني التفت ببطء ثقيل لم يكن في الطريق سواي الجميع ما يزالون في العرس رأيت ظلا يقترب رجل طويل ممتلئ الجسد ملامحه غائمة في العتمة
قلت بصوت خافت نعم يا عمو
اقترب أكثر وخطواته تتسارع نحوي حاولت أن أستبين وجهه فلم أفلح
قال معليش يا بت عندي غنماية ضاعت يمكن مشت هنا أو يمكن ود حرام سرقها
كان قد بات قريبا جدا آنذاك فقط لاحظت ارتجاف صوته منذ ندائه الأول وقطرات العرق على جبينه رغم نسيم المساء الرطب ورائحة خانقة سبقت أنفاسه
استدرت لأمضي لكن ذراعيه الغليظتين انغلقتا حولي فجأة كقيد حديدي التصق جسدي الصغير بصدره ولفحت رقبتي أنفاسه الحارة حاولت أن أصرخ غير أن كفه أطبقت على فمي فاختنق الصوت في حلقي
في تلك اللحظة أدركت بحدس فطري يفوق عمري أنني لست أمام رجل يبحث عن غنمه بل أمام ذئب لا يرى في طفولتي إلا فريسة
تخبطت بين ذراعيه أقاوم عبثا كان الخوف أكبر من جسدي لكنه كان أيضا مصدر نجاتي دون تفكير غرست أسناني الصغيرة في كفه بكل ما أملك من قوة أفلتني صارخا فانسللت من بين يديه أركض بلا اتجاه
دفعت أول باب صادفته بكامل جسدي وسقطت في فناء منزل جارنا العجوز أحاط بي هو وزوجته يحاولان تهدئتي بينما كنت أرتجف أبكي وأتنفس كمن خرج لتوه من الغرق لم أفهم ما أقول ولم يفهما ما أقول لكنهما فهما كل شيء حين وقعت أعينهما على ثيابي الممزقة
أدركا وأدركت أنني كدت أن
اليوم وأنا على مشارف ختام كثير من السطور ما زلت أراه في وجوه عابرة في نظرات لا تطمئن ما زالت حرارة أنفاسه تلسع بعض أفكاري حين يغفل الحذر لحظة بعض القصص تنتهي لكن ظلالها تبقى محفورة في أعماقنا كأشباح تهمس من خلف الذاكرة
تنقضي الليالي وتكبر الطفلة غير أن صوتا بعيدا ما زال يشق السكون أحيانا
يااااابت
يااااابت