رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (2 من 29): ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾… معركة الداخل
بهدوءٍ وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي
رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (2 من 29): ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾… معركة الداخل
ليست أخطر المعارك تلك التي تُرى في الميادين، بل تلك التي تدور في الصدور. فقد يربح الإنسان موقعًا ويخسر قلبًا، وقد ينتصر ظاهرًا وهو مهزوم من الداخل. ولهذا كان البناء الحقيقي في رمضان يبدأ من موضع خفي لا تراه العيون: القلب.
يقول الله تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
إنها سنة إلهية مطّردة في أصلها؛ فالطمأنينة الحقيقية ليست وليدة الظروف، ولا ثمرة وفرة المال، ولا نتيجة استقرار سياسي أو اجتماعي، وإن كانت هذه العوامل قد تؤثر في المزاج. أما السكينة العميقة المستقرة، فأصلها اتصال القلب بخالقه.
والقلب بطبيعته سريع التقلب؛ ولذلك سُمّي قلبًا. تتجاذبه الرغبات، وتؤثر فيه الصدمات، وتغشاه الهموم. فإذا خلا من الذكر امتلأ بالقلق، وإذا غاب عنه اليقين تسلل إليه الاضطراب. ولهذا كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». فالاستقرار ليس حالة تلقائية، بل عطاء يُطلب.
معركة الداخل هي معركة الثبات. فالإنسان قد يصبر عن الطعام ساعات، لكنه يعجز عن ضبط فكرة واحدة تهاجمه. وقد يمتنع عن شهوة ظاهرة، لكنه يستسلم لقلق داخلي ينهكه. وهنا يأتي الذكر ليعيد ترتيب الفوضى، لا باعتباره ألفاظًا مجردة، بل باعتباره حضورًا واعيًا.
الذكر ليس ترديد كلمات فحسب، بل استحضار معنى. أن تقول: الله أكبر، فتدرك أن ما يقلقك أصغر من سلطان الله. أن تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، فتوقن أن التدبير الأعظم ليس بيدك وحدك. أن تقول: الحمد لله، فتتحول زاوية النظر من فقدٍ إلى فضل.
وتشير دراسات عديدة في علم الأعصاب المعاصر إلى أن الممارسات التأملية المنتظمة تسهم في خفض نشاط مراكز التوتر في الدماغ وتعزيز الشعور بالاستقرار الداخلي. غير أن ذكر الله – في المنظور الإيماني – يمتاز عن سائر أشكال التأمل بأنه لا ينفصل عن معنى ولا عن غاية؛ فهو ليس مجرد تهدئة عصبية، بل إعادة توجيه للوعي نحو مصدر الوجود ومعناه.
قال ابن القيم رحمه الله: “في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به”. وهذه العبارة تختصر جوهر ما يمكن أن نسمّيه فقه القلوب: فهم قوانين الداخل كما نفهم قوانين الفقه الظاهر. فكما أن للبدن أحكامًا، فللقلب سننًا، ومن جهلها اضطرب.
ورمضان موسم إعادة الاتصال. كثرة القرآن، وصلاة التراويح، والقيام، والدعاء في الأسحار، كلها محطات شحن للقلب المنهك. فالقلب مثل الجسد يضعف إن لم يُغذّ، وغذاؤه الذكر والمعنى واليقين.
غير أن الطمأنينة لا تعني غياب التحديات، بل تعني حضور السكينة وسطها. قد تمر بك أزمة، لكنك لا تنهار. قد تواجه خسارة، لكنك لا تفقد توازنك. ذلك لأن الذكر لا يغير الواقع دائمًا، لكنه يغيّر زاوية الوقوف منه.
إن بناء الإنسان – فردًا كان أو أمة – لا يبدأ من المهارات وحدها، ولا من الشهادات فحسب، بل من قلب مستقر. فالاستقرار الداخلي شرط من شروط القرار الرشيد، والقرار الرشيد أساس كل بناء حضاري. والقلب المضطرب لا يرى الأمور بحجمها، أما القلب المطمئن فيزنها بميزان أوضح.
ولهذا يبدو الذكر في رمضان أكثر كثافة، وكأن الشهر كله دعوة إلى إعادة ضبط القلب قبل إعادة ضبط السلوك، وإلى تصحيح الباطن قبل إصلاح الظاهر.