أكثر من 7 مليارات في شهر واحد…… كيف تحولت زكاة البحر الأحمر إلى شبكة أمان اجتماعي؟
7 مليارات في شهر واحد… كيف تحولت زكاة البحر الأحمر إلى شبكة أمان اجتماعي؟
بقلم: محيي الدين شجر
في زمن تتعاظم فيه التحديات الاقتصادية وتتسع فيه رقعة الحاجة، يصبح للزكاة معنى يتجاوز كونها فريضة دينية إلى كونها أداة استقرار اجتماعي ورافعة حقيقية لحماية المجتمع من الانزلاق نحو الهشاشة. وفي هذا السياق دشّن ديوان زكاة البحر الأحمر برنامج شهر رمضان للعام 1447هـ تحت شعار «عبادة تتجدد… وعطاء يتمدد» بتكلفة إجمالية بلغت 7,725,000,000 جنيه سوداني، مستهدفاً 58,630 مواطناً في واحدة من أكبر حزم الدعم الاجتماعي التي تشهدها الولاية في هذا الظرف الاقتصادي الضاغط.
اختيار سجن بورتسودان الكبير موقعاً للتدشين لم يكن تفصيلاً عابراً، بل رسالة ذات دلالة اجتماعية عميقة بأن الزكاة لا تقف عند حدود الإعانة المؤقتة، بل تمتد إلى إعادة الأمل وإصلاح ما يمكن إصلاحه في حياة الناس. وقد شهد التدشين إطلاق سراح أكثر من 400 غارم، فيما كشف مدير إدارة السجون بالبحر الأحمر فيصل عبد الحي الزبير أن عدد من تم إطلاق سراحهم خلال الاثني عشر شهراً الماضية تجاوز 600 نزيل، وهو رقم يعكس أثراً مباشراً على مئات الأسر التي استعادت عائلها في لحظة كان يمكن أن تتحول فيها الضائقة المالية إلى مأساة اجتماعية ممتدة.
أمين ديوان الزكاة بالبحر الأحمر الأستاذ عبد القادر حسن عبد القادر أوضح أن البرنامج يأتي تأسياً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مشيراً إلى أن العاملين بالديوان بذلوا جهداً كبيراً حتى تم توفير هذا المبلغ الضخم، وكان النصيب الأكبر منه لمحور فرحة الصائم الذي يستهدف عشرات الآلاف من المستفيدين، إلى جانب إطلاق سراح النزلاء، وفرحة العيد، ودعم الأسر المتعففة، والخلاوي، ومراكز الإيواء، والعودة الطوعية، وتنفيذ مشروعات متنوعة تسهم في تخفيف وطأة الظروف المعيشية. كما دعمت الأمانة العامة البرنامج بعدد 1500 جوال ذرة دعماً للأمن الغذائي خلال شهر رمضان.
وأكد والي البحر الأحمر، رئيس مجلس أمناء الزكاة بالولاية، أن ديوان الزكاة يُعد أحد الأذرع الأساسية لحكومة الولاية، وأن الولاية تعتمد عليه بصورة كبيرة في دعم الشرائح المستضعفة، مشيراً إلى أن رمضان هو شهر الإنفاق على الفقراء والمساكين وتعظيم معاني التكافل الاجتماعي. وأعرب عن أمله في أن يكون إطلاق سراح الغارمين بداية جديدة لهم بعيداً عن دائرة التعثر، متبنياً في الوقت ذاته مقترحات تتعلق بتحسين بيئة الإصلاح داخل المؤسسات السجنية، في إشارة إلى أن المعالجة الاجتماعية لا تكتمل دون تطوير البنية المؤسسية.
في قراءة أوسع، فإن ضخ أكثر من سبعة مليارات جنيه في الدورة الاجتماعية خلال شهر واحد يمثل تدخلاً اقتصادياً ذا أثر مباشر في تحريك الأسواق المحلية، وتخفيف الضغط على الأسر، وتعزيز الاستقرار المجتمعي في ولاية تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين وتواجه ضغوطاً خدمية متزايدة. فالزكاة حين تُدار بكفاءة لا تكون مجرد تحويلات مالية، بل تتحول إلى سياسة اجتماعية واقعية تحد من التفاوت، وتمنع تمدد الفقر، وتعيد دمج المتعثرين في دورة الإنتاج بدلاً من بقائهم عبئاً على المجتمع.
ما حدث في البحر الأحمر ليس فعلاً موسمياً عابراً، بل نموذج لإدارة مورد شرعي بروح مؤسسية تعي طبيعة المرحلة وتعقيداتها. وحين تقترن الثقة الشعبية بالإدارة الرشيدة، تتحول الزكاة من رقم في دفاتر الحسابات إلى حياة تعود إلى البيوت، وطمأنينة تستقر في القلوب، واستقرار يعم المجتمع بأكمله.