عقد الحلفايا المثير للجدل…هل يتدخل البرهان لوقف نزيف الـ11 مليون دولار

11مليون دولار لكبري الحلفايا… أسئلة مشروعة في زمن الحرب
بقلم: محيي الدين شجر
اندهشتُ غاية الدهشة من قيمة عقد تأهيل جسر الحلفايا، والذي بلغ 11 مليون دولار بالتمام والكمال.
ولم يكن مصدر الدهشة الرقم وحده، بل السياق الذي أُبرم فيه العقد، والطريقة التي مُنح بها، والبدائل التي كانت مطروحة.
في وقت تخوض فيه البلاد حرباً ضروساً، وتعاني شحاً في النقد الأجنبي، يصبح كل دولار مسألة سيادية، وكل عقدٍ اختباراً للنزاهة والشفافية وحسن التقدير.
بحسب ما تم تداوله، كانت الحكومة التركية – التي قامت بإنشاء الجسر في الأصل – قد قدمت عرضاً أقل بكثير من القيمة التي تم الاتفاق عليها مع شركتي “إتقان” للاستشارات الهندسية و(IBC) للإنشاءات لتنفيذ الأعمال المدنية والاستشارية. كما أن الحكومة المصرية أعلنت صراحة استعدادها لصيانة كبريي الحلفايا وشمبات بتوجيه من الرئيس عبد الفتاح السيسي.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الإعلان؛ إذ أوفدت القاهرة بالفعل مهندسين مصريين لإجراء الدراسات الفنية، ووصلوا إلى الخرطوم، وعاينوا الموقع. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا تم بشأن تلك الزيارة؟ أين تقريرهم الفني؟ ولماذا لم تُعرض نتائج دراساتهم على الرأي العام؟ وهل تمت مقارنة عرضهم بالعقد الذي تم توقيعه لاحقاً؟
رغم كل ذلك، شهد عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر، الأحد الماضي، توقيع عقد صيانة وتأهيل جسر الحلفايا الرابط بين أم درمان والخرطوم بحري، بحضور عضو المجلس نوارة أبو محمد وعدد من الوزراء ووالي الخرطوم. ووقّعت هيئة الطرق والجسور العقدين مع شركتي “إتقان” و(IBC).
وأوضح وزير البنى التحتية بولاية الخرطوم أن تكلفة المشروع تبلغ نحو 11 مليون دولار – أي ما يعادل قرابة 42 تريليون جنيه سوداني – على أن تُنجز الأعمال خلال تسعة أشهر من تاريخ التوقيع.
الأكثر غرابة أن منح الشركتين امتياز إعادة التأهيل تم – بحسب ما أُثير – دون طرح عطاء عام يتيح التنافس العلني وفق الأطر الشفافة. وغياب العطاء لا يُسقط فقط مبدأ المنافسة، بل يفتح باباً واسعاً للتساؤلات المشروعة في ظل الظرف الاقتصادي الحرج الذي تمر به البلاد.
مختصون أشاروا إلى أن الضرر الذي لحق بكبري الحلفايا – رغم أهميته الاستراتيجية – أقل مقارنة بالضرر الجسيم الذي تعرض له كبري شمبات الذي انفصل إلى جزئين، وأن حجم الأضرار لا يستدعي، وفق تقديراتهم، هذا المبلغ الضخم.
فما الأسس التي بُني عليها اختيار شركة “إتقان” ومنحها هذا الامتياز؟ ولماذا يتم التعاقد المباشر مع شركة وطنية في مشروع ممول بالنقد الأجنبي، في حين كان بالإمكان تقليل الكلفة عبر الشركة التركية المنفذة أصلاً، أو الاستعانة بالشركات المصرية التي شهدت بلادها طفرة كبرى في مجال الطرق والكباري خلال السنوات الأخيرة؟
ولماذا لم يُوكل أمر إعادة التأهيل إلى الهيئة  القومية للطرق والجسور الاتحادية لتقوم بإختيار الشركة المنفذة ، وهي جهة وطنية مقتدرة ولها سوابق ناجحة  يفترض أن تكون أولى بمثل هذه المشاريع الاستراتيجية؟
إذا كان تأهيل كبري الحلفايا قد بلغ 11 مليون دولار، فكم ستبلغ تكلفة تأهيل كبري شمبات الذي تعرض لانفصال هيكلي كامل؟ وهل نحن أمام تقديرات فنية مدروسة، أم أمام أرقام تفتقر إلى المقارنة المرجعية والشفافية الكاملة؟
إن القضية ليست قضية جسر فحسب، بل قضية منهج.
هل نُدير المال العام وفق دراسات وعطاءات معلنة ومنافسة عادلة؟ أم وفق قرارات مغلقة تفتقر إلى الإفصاح؟
ووفق الأعراف الهندسية المتعارف عليها، تختلف كلفة صيانة الجسور جذرياً عن كلفة إنشائها من جديد. فالصيانة الجزئية – حتى عندما تشمل تدعيم بعض العناصر المتضررة – تُحتسب عادةً كنسبة من تكلفة الإنشاء الكلي، وغالباً ما تقع ضمن نطاق محدود ما لم يكن هناك انهيار هيكلي كامل أو تلف في الأساسات العميقة. أما إذا اقتصر الضرر على البلاطات العلوية، أو الفواصل، أو أجزاء من الكمرات، فإن التكلفة الفنية تكون أقل بكثير من إعادة البناء الشامل.
وعليه، فإن إعلان رقم 11 مليون دولار لأعمال قيل إنها “صيانة للجزء المتضرر من الحرب” يفرض سؤالاً مهنياً مباشراً: ما هو نطاق الأعمال تحديداً؟ هل نحن أمام تدعيم محدود أم إعادة تأهيل هيكلي شامل؟ وأين التقرير الفني المنشور الذي يحدد حجم الضرر، والكميات، وتكلفة كل بند على حدة؟
اقتصادياً، فإن 11 مليون دولار في ظرف السودان الراهن هي عبء نقدي ثقيل في زمن ندرة العملات الحرة. هذا المبلغ وحده يمكن أن يغطي رواتب آلاف العاملين لأشهر، أو يموّل مشاريع خدمية عاجلة في ولايات الحرب، أو يدعم قطاعات حيوية كالكهرباء والمياه والصحة. لذلك فإن إنفاقه على مشروع صيانة دون عطاء تنافسي معلن، ودون نشر دراسة فنية تفصيلية، يضع القرار في دائرة الضغط الاقتصادي والسياسي معاً.
وفي ظل وجود عروض سابقة أقل كلفة – سواء من الشركة التركية المنفذة أصلاً أو من الجانب المصري الذي أوفد مهندسين وأجرى معاينات ميدانية – يصبح من الضروري نشر مقارنة رسمية بين البدائل. فإدارة المال العام في أوقات الأزمات لا تقوم على الخيار المتاح فقط، بل على الخيار الأقل كلفة والأعلى كفاءة.
على رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان أن يُكوّن لجنة مراجعة مستقلة تضم خبراء هندسيين وماليين وقانونيين، لمراجعة العقد من حيث الإجراءات، والتكلفة، والمقارنة بالعروض الأخرى، ونشر النتائج للرأي العام بشفافية كاملة.
السودان اليوم يحتاج إلى كل دولار.
ويحتاج أكثر إلى استعادة الثقة.
ففي زمن الحرب، لا يُقبل أن تكون الجسور محل شبهة،
ولا أن يصبح المال العام موضع تساؤل بلا إجابة.