تعليقًا على قضية السيدة سلمى عضو السيادي: هل صار احترام القانون جريمة في الخرطوم؟

هل صار احترام القانون جريمة في الخرطوم؟
بقلم: محيي الدين شجر
أن يُوقَف مدير أراضي الخرطوم بقرار من الأمين العام لحكومة ولاية الخرطوم، لا لفسادٍ ارتكبه أو تجاوزٍ اقترفه، بل لتمسّكه الصريح بالقانون، فذلك أمر لا يسيء إلى شخصه وحده، بل يُعد إساءة مباشرة لحكومة الولاية وواليها، قبل أن يكون إساءة لمتخذ القرار نفسه.
القضية التي فجّرتها الزميلة الشجاعة رشان أوشي قبل أيام، كشفت بوضوح خللًا خطيرًا في ميزان العدالة الإدارية، وأعادت طرح سؤال قديم جديد: هل يُعاقَب في هذا البلد من يلتزم بالقانون؟
كثيرون وجّهوا سهام النقد إلى الدكتورة سلمى عبد الجبار، عضو مجلس السيادة، بسبب ذهابها بنفسها لمتابعة إجراءات قطعة أرض تخص والدها، بعد أن تمسّك مدير أراضي الخرطوم بقرار صادر من وإلى حكومة الولاية.
والحق يُقال: لو أنها استخدمت نفوذها واتصلت بوالي الخرطوم لتمرير المعاملة، لكان ذلك سلوكًا خاطئًا مرفوضًا، لأن الاتصال بالولاة لتمرير الإجراءات ليس متاحًا لعامة المواطنين.
لكن في المقابل، كان واجبًا عليها – وهي عضو في أعلى سلطة سيادية تقود البلاد – أن تخضع للقانون والإجراءات المتّبعة دون استثناء، وأن تعطي المثال لا العكس.
وفي خطوة تُحسب له، أحسن رئيس مجلس الوزراء البروفيسور كامل إدريس صنعًا،وهو ينفذ توجيه البرهان  ويعيد الاعتبار لهيبة القانون وكرامة الموظف، كما أورد الزميل عبد الماجد عبد الحميد، عبر قرارات واضحة تمثلت في:
توجيه اعتذار رسمي للموظف آيات محمد المأذون.
إلغاء كل الإجراءات المتخذة بحقه وعودته لمباشرة مهامه فورًا.
التأكيد على أن لا أحد فوق اللوائح المنظمة لمعاملات الأراضي بولاية الخرطوم.
الدعوة لجلسة تصافٍ بين عضو مجلس السيادة وموظفي مكتب الأراضي.
غير أن السؤال المؤلم يظل حاضرًا: لماذا لم يتحرك والي الخرطوم لنصرة موظفه؟
كنا ننتظر موقفًا واضحًا، كلمة حق، أو قرارًا شجاعًا قبل أن يتدخل رئيس الوزراء، لكن الصمت كان سيد الموقف، والصمت في مثل هذه القضايا ليس حيادًا، بل تواطؤًا مع الخطأ.
والأخطر من ذلك:
هل يملك الأمين العام لحكومة ولاية الخرطوم أصلًا صلاحية اتخاذ إجراء ضد مسؤول تنفيذي؟
وإن كان لا يملك، فلماذا استُخدمت السلطة بهذه الخفة؟
ولماذا يُشدَّد القانون على الضعفاء، بينما يُتساهل مع الأقوياء؟
بهذا المنهج، لن يتقدم السودان خطوة واحدة.
أما الموظف آيات محمد المأذون، فقد أثبت أن هذا الوطن لا يزال بخير، وأن في مؤسسات الدولة رجالًا ونساءً يعملون بضمير مهني، ويتمسكون بالقانون رغم كلفته.
وفي بلد يحترم نفسه وقوانينه، كان الأولى تكريمه لا إهانته، والاحتفاء به لا توقيفه.
القانون لا يكون قانونًا إذا طُبّق بانتقائية.
ولا دولة تقوم إذا عوقب الأمناء، وكوفئ المتجاوزون.
فلا أحد فوق القانون، والقانون يجب أن يسود ويعلو.