فنزويلا وأمريكا… من العقوبات إلى كسر السيادة
بهدوءٍ وتدبّر
بقلم؛ محمد عثمان الشيخ النبوي
فنزويلا وأمريكا… من العقوبات إلى كسر السيادة
لم تكن فنزويلا، في علاقتها بالولايات المتحدة، مسرحًا لحدثٍ واحدٍ مفاجئ، بل كانت على مدى أكثر من ربع قرن ساحةً لتراكمٍ زمنيٍّ محسوب من الضغوط، انتقل فيها التدخل الأمريكي من السياسة الناعمة إلى الخشنة، ومن العزل الاقتصادي إلى إعادة تعريف الشرعية، ثم—في ذروته—إلى الفعل القسري المباشر. وما جرى لا يمكن فهمه إلا بسردٍ تاريخيٍّ متصل، يكشف كيف تُبنى التدخلات الكبرى خطوةً خطوة، حتى تبلغ لحظة الانفجار.
بدأ المسار الحديث مع وصول هوغو تشافيز إلى الحكم عام 1999، حين أعلنت فنزويلا خروجها الصريح عن المظلة الأمريكية في أمريكا اللاتينية، وشرعت في إعادة صياغة سياساتها النفطية والاجتماعية والخارجية، في سياق إقليمي ودولي مشحون. ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد العلاقة مع واشنطن خلافًا سياسيًا عابرًا، بل تحوّلت إلى خصومة بنيوية، وإن بقيت لسنوات في إطار الاحتواء والضغط غير المباشر.
بعد وفاة تشافيز عام 2013، تولّى نيكولاس مادورو الحكم في مرحلة شديدة التعقيد داخليًا وخارجيًا، ومع احتجاجات 2014 ثم 2017 دخلت الولايات المتحدة مرحلة أكثر صراحة في التعاطي مع الملف الفنزويلي، ففرضت عقوبات مالية على أفراد ومؤسسات، ثم وسّعتها لتشمل النظام المالي بأكمله، واضعة الأساس لما سيُعرف لاحقًا بالعقوبات الشاملة، بوصفها أداة ضغط سياسي واقتصادي متكاملة.
التحول المفصلي وقع في يناير 2019، حين أعلنت واشنطن اعترافها برئيس البرلمان خوان غوايدو رئيسًا مؤقتًا لفنزويلا. لم يكن ذلك مجرد موقف سياسي، بل انتقالًا بالصراع من مستوى الخلاف على السياسات إلى مستوى النزاع على الشرعية ذاتها. وفي التوقيت نفسه، فُرضت عقوبات نفطية قاسية أصابت شريان الاقتصاد الفنزويلي، تحت شعار الضغط من أجل الديمقراطية، بينما رأى خصوم هذا المسار أنه توظيف مباشر للاقتصاد كأداة تغيير سياسي.
بين عامي 2019 و2022 استقرت البلاد على معادلة مأزومة: لا النظام سقط، ولا المعارضة حكمت، ولا العقوبات حققت تحولًا سياسيًا، فيما تفاقمت الأوضاع المعيشية واتسعت موجات الهجرة. ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022 واضطراب أسواق الطاقة العالمية، عادت البراغماتية الأمريكية إلى الواجهة، ففُتحت قنوات تواصل غير معلنة، ومُنحت تراخيص محدودة لشركات نفطية للعمل في فنزويلا، في تناقض واضح بين الخطاب السياسي والمصلحة الاقتصادية.
في أكتوبر 2023، جرى توقيع اتفاق باربادوس بين الحكومة والمعارضة، وربطت الولايات المتحدة تخفيفًا جزئيًا للعقوبات بمسار انتخابي وتعهدات سياسية. غير أن هذا المسار لم يصمد طويلًا، إذ عادت القيود لتُشدَّد في 2024 و2025، ما أكد أن العقوبات لم تكن مرحلة انتقالية، بل أداة ضغط مستدامة تُدار وفق حسابات سياسية متغيرة.
ثم جاءت الذروة في يناير 2026، حين خرج الصراع من نطاق السياسة والاقتصاد إلى نطاق القوة الصلبة. ففي تطور غير مسبوق، نُفِّذت عملية أمريكية انتهت بالقبض على الرئيس نيكولاس مادورو وترحيله إلى خارج بلاده، مع الإعلان عن ترتيبات انتقالية وإدارة مؤقتة للمرحلة التالية. عند هذه اللحظة، لم يعد الجدل حول إصلاحات أو انتخابات، بل حول معنى السيادة ذاته، وحدود القوة، ومشروعية إعادة هندسة مصير دولة من خارج حدودها.
وعند هذا الحدّ، لا يعود ممكنًا فهم ما جرى بوصفه فعلًا خارجيًا محضًا. فالتاريخ السياسي يُظهر أن السيادة لا تُنتزع دفعةً واحدة، ولا تُكسر فقط بالقوة، بل تُستنزف أولًا من الداخل. لقد قامت إدارة الدولة في فنزويلا، على مدى سنوات طويلة، على الخطابات الثورية الجوفاء والحماس الشعاري المجرد من العلمية والعمق، أكثر مما قامت على رؤية دولة متكاملة، وخطط محكمة، وأنظمة ضابطة قادرة على امتصاص الصدمات. رُفعت شعارات كبرى عن السيادة والمواجهة، لكن من دون أن تُدعّم ببناء مؤسسي صلب، أو اقتصاد متنوع، أو شرعية وطنية جامعة تجتمع على الكليات، ومصالح الدولة والشعب الكبرى، وهويته العليا.
ومع غياب الرؤية، وتآكل المؤسسات، واختلاط الشرعية ببقاء السلطة، أصبح الداخل هشًّا بما يكفي ليجعل الضغط الخارجي فاعلًا، ثم حاسمًا. عندها لم تعد العقوبات مجرد أداة ضغط، ولا الاعتراف بشرعية بديلة مجرد موقف سياسي، بل خطوات في مسار انتهى إلى كسر السيادة نفسها.
بهذا المعنى، لا تُختصر مأساة فنزويلا في ما فعلته الولايات المتحدة وحدها، بل في التقاء تدخل خارجي منظم مع فراغ داخلي طويل الأمد في إدارة الدولة بوصفها مشروعًا علميًا ومؤسسيًا. وما هُزم أولًا لم يكن النظام ولا الاقتصاد، بل فكرة الدولة ذاتها. وحين تسقط هذه الفكرة، لا يعود مستغربًا أن تتحول الدولة كلها—حتى رأسها—إلى ملف قابل للنقل والتداول خارج حدودها.