من الذي أفشل مشروع الطاقة الشمسية لمنسوبي الصناعات الصغيرة ببورتسودان؟

من الذي أفشل مشروع الطاقة الشمسية لمنسوبي الصناعات الصغيرة ببورتسودان؟
بقلم: محيي الدين شجر
أثار فشل مشروع تمليك أنظمة الطاقة الشمسية لمنسوبي اتحاد غرف الصناعات الصغيرة بولاية البحر الأحمر في يوم تدشينه العديد من علامات الاستفهام، ليس فقط حول أسباب الفشل، وإنما أيضًا حول مدى جاهزية البنوك السودانية للقيام بالدور الذي تعول عليه الدولة في تمويل المشروعات الصغيرة، باعتبارها إحدى أهم أدوات تحريك الاقتصاد خلال هذه المرحلة الدقيقة.
ففي الثاني والعشرين من مايو الماضي، دشن والي ولاية البحر الأحمر، الفريق الركن مصطفى محمد نور، بمدينة بورتسودان مشروع “المحفظة الخضراء” لتمويل تركيب منظومات الطاقة الشمسية للقطاعات الإنتاجية والحرفية والخدمية، بتمويل من المصارف العاملة بالولاية وإشراف بنك السودان المركزي.
وكان الهدف من المبادرة واضحًا، وهو تشجيع المصارف على دعم أصحاب المصانع الصغيرة والورش والمزارع عبر توفير تمويلات ميسرة تسهم في تقليل تكلفة الإنتاج، وتشجع على التحول إلى الطاقة النظيفة، وهي خطوة موفقة من الوالي تستحق الإشادة والدعم.
وتجاوب اتحاد غرف الصناعات الصغيرة بقيادة رئيسه الأستاذ محمد علي أبو علي، نائب رئيس اتحاد أصحاب العمل، مع المبادرة، وعمل خلال الأسابيع الماضية على استكمال جميع المتطلبات مع الجهات المختصة، بما في ذلك المحفظة الخضراء والبنك الزراعي وبنك السودان المركزي، كما تم اختيار الشركة التي قدمت أقل الأسعار في السوق لتوريد المنظومات.
ووفقًا لمسؤولي الاتحاد، فقد اكتملت الترتيبات لتدشين المرحلة الأولى التي تشمل مائة مستفيد، بعد استلام شيكات الضمان، وتم تحديد يوم الأربعاء موعدًا لتسليم المنظومات.
ولأهمية المشروع، حرصت على حضور مراسم التدشين، إلا أنني فوجئت بعدم حضور ممثل البنك الزراعي، وهو الجهة الممولة للمشروع، الأمر الذي أدى إلى عدم انطلاق عملية التسليم في الموعد المحدد.
وبحسب ما أفاد به رئيس اتحاد غرف الصناعات الصغيرة، فإن البنك اشترط استكمال إجراءات التأمين عبر شركة تأمين محددة قبل التسليم، مع التزام كل مستفيد بسداد نحو ثلاثة ملايين جنيه قيمة للتأمين، إضافة إلى رسوم الأقساط والإجراءات التي تتجاوز مليون جنيه لكل مستفيد.
وفي المقابل، أوضح رئيس الاتحاد أن الاتحاد توصل إلى اتفاق مع شركة تأمين أخرى كانت مستعدة لتقديم التأمين دون تحميل المستفيدين تكلفة إضافية، مشيرًا إلى أن وجهة نظر الاتحاد كانت تقوم على استلام المنظومات أولًا، ثم استكمال إجراءات التأمين، مع منح المستفيد حرية اختيار شركة التأمين، بما يحقق المنافسة ويخفض التكلفة.
وأكد أن التأمين يمثل أهمية كبيرة لحماية المستفيدين من أي مخاطر قد تطرأ، وأن الاتحاد كان حريصًا على أن يقوم كل مستفيد بالتأمين قبل استلام المنظومة، باعتبار أن التأمين شرط أساسي لحماية المشروع.
كما أوضح أن جميع المستفيدين أكملوا الإجراءات المطلوبة وحضروا في الموعد المحدد، إلا أن الخلاف حول آلية التأمين أدى إلى فشل عملية التدشين، ولاحقًا توقف المشروع برمته.
وأضاف أن لديهم خبرة طويلة في التعامل مع القطاع المصرفي والتمويل، وأن المشروع لم يكن التجربة الأولى لهم في هذا المجال.
وإذا صحت هذه الوقائع، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لم تُحسم هذه الاشتراطات قبل تحديد موعد التدشين ودعوة المستفيدين؟ وهل كان بالإمكان معالجة هذه المسائل إداريًا بالتنسيق بين جميع الأطراف قبل الوصول إلى يوم الاحتفال؟
والأكثر إثارة للتساؤل أن الرسالة التي صاحبت إطلاق “المحفظة الخضراء” قامت على تبسيط الإجراءات، وتوسيع فرص التمويل، وتشجيع استخدام الطاقة النظيفة، بينما انتهى أول مشروع عملي إلى الفشل، وهو ما يستحق توضيحًا من جميع الأطراف ذات الصلة.
إن فلسفة المحفظة الخضراء تقوم على تبسيط الإجراءات، وعدم تحميل المستفيدين – وهم من الشرائح المنتجة التي تحتاج إلى الدعم – أعباء مالية مرهقة، خاصة أن الهدف الأساسي هو مساعدة أصحاب الأعمال الصغيرة على تطوير نشاطهم وزيادة الإنتاج.
ولا شك أن الرسوم المصرفية ورسوم التأمين تسهم في رفع التكلفة النهائية للمشروع، ووفقًا لتقديرات اتحاد غرف الصناعات الصغيرة، فإن تكلفة بعض المنظومات قد تصل إلى نحو أربعين مليون جنيه للمنظومة الواحدة الأعلى سعرًا، فيما تصل نسبة أرباح التمويل المصرفي، بحسب إفادة الاتحاد، إلى نحو 27%.
ولا يعني طرح هذه التساؤلات توجيه اتهام لأي جهة، وإنما هو دعوة للشفافية وتوضيح الحقائق للرأي العام، خاصة أن المشروع يمثل أول تطبيق عملي للمحفظة الخضراء في ولاية البحر الأحمر، وأن نجاحه أو تعثره ستكون له انعكاسات على ثقة المنتجين في برامج التمويل مستقبلًا.
ويبقى السؤال الأهم: هل كان ما حدث نتيجة اختلاف في تفسير الإجراءات المصرفية، أم كان بالإمكان تجاوز هذه العقبات بالحوار والتنسيق بين الأطراف المعنية؟
الإجابة تنتظرها مائة أسرة من أصحاب الصناعات الصغيرة، كما ينتظرها كل من يؤمن بأن التمويل الأصغر يجب أن يكون وسيلة لدعم الإنتاج، لا سببًا في تعطله.
ومن باب المهنية والعدالة، فإن من حق البنك الزراعي أن يوضح للرأي العام أسباب عدم حضور ممثله، وطبيعة اشتراطات التأمين، والأساس الذي استند إليه في تلك الإجراءات، حتى تكتمل الصورة أمام الجميع.