رسائل من بورت سودان إلى المجتمع الإنساني / بقلم محيي الدين شجر
الإنسانية تتحدث من بورت سودان
بقلم : محيي الدين شجر
ليست كل الاجتماعات الدولية مجرد مناسبة لتبادل الكلمات أو التقاط الصور التذكارية، فبعضها يحمل من الرسائل ما يفوق في أهميته القرارات التي تصدر عنه. وهذا ما لمسته في الجلسة الافتتاحية للاجتماع العام لشبكة جمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر لدول شرق أفريقيا والمحيط الهندي بمدينة بورتسودان.
ما شهدته قاعة السلام بأمانة حكومة البحر الأحمر لم تكن جلسة افتتاحية لمؤتمر إقليمي، بل كان إعلانًا بأن الهلال الأحمر السوداني خرج من قمقمه و عاد إلى الواجهة بعد سنوات من التراجع والغياب عن المشهد الإقليمي،
وهو غياب فرضته ظروف معقدة وأخطاء إدارية وتنظيمية أفقدت هذه المؤسسة جزءًا من حضورها الذي عُرفت به لعقود.
واليوم، يبدو أن صفحة جديدة قد بدأت، عنوانها استعادة الدور، واسترداد الثقة، والانفتاح على محيط السودان الإقليمي والدولي.
الجلسة الافتتاحية نفسها كانت تحمل رسائل متعددة. فقد بدا واضحًا أن السودان لم يكن دولة مضيفة فحسب ، بل طرفًا يحظى بالتقدير داخل الحركة الدولية للهلال الأحمر والصليب الأحمر.
وهذا التقدير لم يأتِ من فراغ، وإنما من سجل طويل من العمل الإنساني الذي ظل متطوعو الهلال الأحمر السوداني يكتبون فصوله في أصعب الظروف.
ولعل أكثر ما لفت انتباهي في كلمات المتحدثين هو ذلك الإجماع على الدور الذي لعبه الهلال الأحمر السوداني خلال الحرب.
فقد جاءت شهادة وزير الصحة الاتحادي الدكتور هيثم محمد إبراهيم مؤثرة عندما استحضر تضحيات المتطوعين الذين عملوا جنبًا إلى جنب مع الكوادر الطبية داخل المستشفيات ومناطق الاشتباكات، تحت القصف وبين أصوات المدافع، مقدمين نموذجًا نادرًا للتجرد والإيثار.و ماذكره يعتبر توثيقًا رسميًا لتضحيات دفع ثمنها عدد من المتطوعين الذين ارتقوا شهداء وهم يؤدون واجبهم الإنساني.
وفي المقابل، جاءت كلمة والي ولاية البحر الأحمر الفريق الركن مصطفى محمد نور لتعكس نظرة المجتمع السوداني للهلال الأحمر، عندما تحدث عن حضوره الدائم في أوقات السيول والفيضانات والطوارئ، مؤكدًا أن الجمعية ظلت شريكًا يعتمد عليه في نجدة المواطنين دون ضجيج إعلامي أو انتظار لمقابل. وهذه شهادة لها قيمتها، لأنها صدرت من مسؤول عايش تلك التدخلات على أرض الواقع.
ما أعجبني في هذه الجلسة أنها لم تُقدِّم الهلال الأحمر باعتباره مؤسسة خيرية تقدم مساعدات فحسب، بل باعتباره مؤسسة وطنية تمتلك رصيدًا من الثقة والخبرة والعلاقات الدولية، وقادرة على أن تكون جزءًا من جهود التعافي وإعادة بناء السودان.
فالعمل الإنساني اليوم لا يقتصر على توزيع الغذاء والدواء، بل أصبح أحد أدوات بناء الاستقرار وتعزيز السلم المجتمعي واستعادة الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
كما أن اختيار بورتسودان لاستضافة هذا الحدث يحمل دلالات تتجاوز الجغرافيا. فالمدينة بعد الحرب تحولت إلى بوابة إلى العالم، مما يعزز صورة السودان بوصفه بلدًا ما زال قادرًا على استضافة الفعاليات الإقليمية، وإدارة الحوار، وجمع الشركاء حول قضايا إنسانية تتجاوز الحدود.
ولا أخفي أنني رأيت في هذا الاجتماع فرصة أمام القيادة الحالية للهلال الأحمر السوداني لتأسيس مرحلة مختلفة، يكون معيارها الإنجاز لا الشعارات، والعمل المؤسسي لا الاجتهادات الفردية. فاستعادة الموقع الإقليمي ليست نهاية الطريق، وإنما بدايته. والثقة التي عادت يجب أن تُترجم إلى برامج نوعية، وشراكات مستدامة، وتأهيل للمتطوعين، وتطوير للإدارة، حتى يستعيد الهلال الأحمر مكانته التي يستحقها بين الجمعيات الوطنية الرائدة في القارة.
إن الرسالة الأهم التي خرجت من بورتسودان أن مؤسسة وطنية عريقة بدأت تستعيد عافيتها.
وإذا نجح الهلال الأحمر السوداني في استثمار هذه اللحظة التاريخية، فإن مكاسبها لن تقتصر على الجمعية وحدها، بل ستمتد إلى ملايين السودانيين الذين يحتاجون اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى عمل إنساني مهني، محايد، وقادر على الوصول إلى كل محتاج.
لقد كانت الجلسة الافتتاحية إعلانًا عن عودة مؤسسة وطنية إلى مكانها الطبيعي، ورسالة بأن الإنسانية في السودان ما زالت تجد رجالًا ونساءً يحملون رايتها مهما اشتدت المحن.