خريف امرأة/ اميمة عثمان
خريف امرأة
اميمة عثمان
حين نظرت إلى المرآة هذا الصباح، كانت تحملق في ذهولٍ تام. ألقت نظراتٍ سريعة على بقايا جسدها الذي أضحى زاويًا، وكأنها استحالت إلى هيكلٍ عظمي أخفت تجاعيد الزمن فيه أكثر مما أظهرت ملامحه. كانت تحدق في وجهٍ ضاع بين انعكاس الصورة وما تراكم في الروح من انكسارات، فيما راحت زفراتها الحارقة تترك ضبابًا على صفحة المرآة، كأنها تريد أن تحجب عنها الحقيقة، أو تؤجل لحظة الاعتراف بها.
فالمرآة، في نهاية الأمر، لا تكذب، لكنها لا تقول الحقيقة كاملة أيضًا؛ إنها تُرينا ما فعله الزمن بالجسد، وتعجز عن إظهار ما فعله العمر بالروح.
لا تدري لماذا أخذت تردد، بملء صوتها، غير عابئة بمن قد تصلهم تلك الذبذبات الملتهبة: “أكرهك… أكرهك… إني أكرهك.”
لكنها، في قرارة نفسها، لم تكن تعلم على وجه اليقين مَن الذي تكرهه؛ أهو الرجل الذي مرّ من حياتها وتركها خاوية؟ أم الزمن الذي سرق ملامحها خلسة؟ أم ذلك الوهم القديم الذي أقنعها يومًا بأن الحب قادر على هزيمة الفناء؟ وربما كانت تكره النسخة القديمة منها؛ تلك المرأة التي كانت تؤمن أن القلب يستطيع أن يفاوض القدر.
كان صدى صوتها يعود إليها أكثر قسوةً مما خرج، وكأن الأماكن تحفظ اعترافاتنا لتعيدها إلينا في أكثر لحظاتنا هشاشة.
تهاوت جالسةً على حافة السرير الوحيد بالغرفة؛ ذلك السرير الذي لم تعد تطيقه، شأنه شأن كل ما في المنزل، ومن فيه. كم استلقت عليه محاولةً الهرب من واقعها المرير إلى شواطئ ذكرياتها، غير أن الذكريات لم تكن يومًا وطنًا، بل كانت منفى مؤجلًا؛ كلما احتمت بها، أعادتها إلى الحقيقة أكثر تعبًا.
نهضت فجأة، كأن لسعة عقربٍ أيقظت أعصابها، أو كأن تيارًا خفيًا سرى في أوصالها. وقفت أمام خزانتها، وبدأت تقذف بثيابها وأشيائها كيفما اتفق، كأنها لا تفتش عن شيء، بل تنتقم من الأشياء لأنها بقيت، بينما مضى كل من منحها معنى.
ثم وقعت يداها المرتجفتان على مفكرتها المستطيلة، المغلفة بجلدٍ أنيق، تتوسطه وردتان وقلبٌ صغير محفور بعناية.
هدأت قليلًا وهي تحتضنها.
كانت وحدها القادرة على إعادتها إلى نفسها، وانتشالها من دوامة العذاب.
لم تكن مجرد مفكرة؛ كانت الذاكرة التي لا تخون، والشاهد الذي لا يحاكم، والمكان الوحيد الذي استطاعت فيه أن تكون صادقة دون خوف. كانت مستودع أسرارها، وأحلامها، وصورها التي حدثت، وتلك التي لم تحدث وربما لن تحدث أبدًا. كانت تحفظ آثامها الصغيرة، وخيباتها الكبيرة، وتصفيقها الداخلي كلما عجز العالم عن التصفيق لها.
ولعل الإنسان لا يكتب لأنه يتذكر، بل لأنه يخشى أن يختفي. فالكتابة ليست مقاومةً للنسيان فحسب، بل مقاومة للفناء؛ محاولة يائسة ليترك المرء أثرًا يقول إنه مرّ من هنا، وإنه أحب، وتألم، وانتظر، قبل أن يبتلعه الصمت.
كاد القلم أن يتأوه وهي تضغط عليه بقوة، فيما تقضم طرف ظفر إبهامها الأيسر، ثم تعبث، على غير وعي، بإبهامها وسبابتها حول أنفها الصغير، كما لو كانت تحاول الإمساك بفكرةٍ تهرب منها، أو بسنواتٍ تتسرب من بين أصابعها.
رفعت رأسها ببطء، ورمقت المرآة من جديد. أزاحت خصلات شعرها إلى الخلف، ثم ابتسمت.
لم تكن ابتسامة انتصار، ولا استسلام.
كانت ابتسامة امرأة أدركت، متأخرةً ربما، أن الخريف ليس عدو الأشجار، بل الفصل الذي يكشف حقيقة الجذور. وأن الإنسان لا يشيخ حين تتجعد ملامحه، بل حين يتوقف عن العثور على معنى لما تبقى من عمره.
وحين التقت عيناها بعيني انعكاسها، لم ترَ امرأةً هزمها الزمن، بل رأت زمنًا كاملًا يعبر امرأة، ويترك فيها خرائطه، ثم يمضي.