محمد طلب يكتب : *منه العوض واليه العوض و (الطيبات) لله*
رأي / سودان سوا
رحم الله د. ضياء العوضي الذي شغل الناس كثيراً بأطروحاته و أفكاره المثيرة للجدل .. و على المستوى الشخصي أراه إنساناً مختلفاً حاول التفكير خارج الصندوق .. و لم يكن يخشى الاقتراب من المساحات التي يعتبرها كثيرون مناطق مغلقة .. أو حقائق محسومة .. و هذه في حد ذاتها ميزة لا يمكن إنكارها .. لأن تطور المعرفة البشرية كثيراً ما يبدأ من التساؤل .. و من كسر حالة التسليم المطلق بالموروث العلمي أو الفكري .. لكن في المقابل يؤخذ علي (العوضي) في تقديري تعصبه الشديد لما يراه صحيحاً .. و رفضه أحياناً للنقاش الهادئ أو تقبل الردود المخالفة .. حتى بدا وكأن بعض أطروحاته تتحول من اجتهادات قابلة للنقاش إلى يقينيات لا يجوز الاقتراب منها ..
شخصياً لست طبيباً و لا متخصصاً في علوم التغذية أو كيمياء جسم الإنسان والكيمياء الحيوية أو غيرها من المجالات التي خاض فيها (العوضي) لكنني في الوقت نفسه لا أشك أنه كان يمتلك قدراً من العلم والاطلاع و( فوق كل ذي علم عليم) كما أنني لا أعيب عليه محاولاته في التأمل في بعض الآيات القرآنية والخروج منها بما أسماه (نظرية الطيبات) .. فالتدبر و التفكر مطلوبان .. والقرآن لا يمنع الإنسان من البحث و التأمل في الكون و الحياة و الغذاء و الخلق .. و أجد نفسي متفقاً معه إلى حد ما في نقده البروتوكولات الطبية الجامدة .. و في محاولته (فلفلة) المسلمات التي يتعامل معها البعض و كأنها حقائق نهائية لا تقبل المراجعة .. فالعلوم الطبية نفسها تطورت عبر مراجعة الأخطاء و التجربة و التشكيك في كثير من القناعات القديمة و ما كان يعد حقيقة مطلقة في زمن سابق قد يصبح لاحقاً مجرد مرحلة من مراحل تطور المعرفة .. و لطالما ناقشت بعض طلاب الطب و بعض الأطباء من الاهل والاصدقاء في هذه النقطة تحديداً .. وكنت أنتقد حالة التلقي والحفظ التي تسيطر على التعليم الطبي في بلادنا .. حيث يتحول كثير من الطلاب و الأطباء إلى مجرد منفذين للبروتوكولات و ما تم تلقينه لهم داخل كليات الطب دون روح بحثية حقيقية أو محاولة لخوض تجارب علمية مبنية على أسس و منهجيات واضحة .. و هذا بطبيعة الحال يجعلهم تابعين أكثر من كونهم منتجين للمعرفة أو مساهمين في تطوير العلوم الطبية …
لكن رغم اتفاقي مع د. ضياء في هذا الجانب إلا أنني أختلف معه في طريقة الطرح الانفعالية و في التعصب للرأي و عدم تقبل النقاش مع أهل الاختصاص بهدوء .. لأن أي فكرة مهما بدت صحيحة لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا عندما تصمد أمام الحوار العلمي .. و المناظرة الهادئة و الحجة المبنية على التجربة و المنهج العلمي المعروف ..
كما انه استدل ببعض ايات القران بسطحية وتجاهل البعض الاخى .. كما أنني أرى أن رجال الدين غالباً يتجنبون الدخول في متاهات العلوم الطبيعية والطبية و متى ما وجدوا شخصاً يستدل بآيات قرآنية على رأي معين .. فإن كثيرين منهم يميلون إلى مجاملته أو الوقوف معه .. واحيانا بعضهم باستحياء دون محاولة حقيقية للبحث الأعمق في النص القرآني أو مناقشة ما يطرحه من زوايا علمية أو تفسيرية مختلفة .. اطلعت علي معظم الايات التي وردت بالقران عن الزرع و المأكول فوجدت اختلافاً كبيراً فيما اورده (العوضي) رحمه الله .. فعلى سبيل المثال كان المرحوم د. ضياء يرفض بشكل قاطع تناول بعض الخضروات والورقيات و يرى أنها ليست غذاءً مناسباً للبشر مستنداً إلى بعض الآيات القرآنية .. لكنني أرى أن كثيراً من هذه الاستدلالات كانت تحتاج إلى تعمق أكبر خصوصاً مع وجود فوائد علمية مثبتة لكثير من تلك الأغذية و مع وجود نصوص قرآنية قد يُفهم منها خلاف ذلك
.. و من الآيات التي أراها جديرة بالتأمل في هذا السياق قوله تعالى في سورة السجدة :-
*(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ ۖ أَفَلَا يُبْصِرُونَ)*
فالآية تشير بوضوح إلى وجود مساحة اشتراك بين الإنسان و الأنعام في بعض ما يخرج من الزرع و الغذاء وهو ما يجعل إطلاق أحكام قطعية حول *(أن بعض النباتات ليست للبشر إطلاقاً)* أمراً يحتاج إلى قدر كبير من الحذر و التأمل العلمي و التفسيري معاً
كما أرى أن ما طرحه د. ضياء من أفكار مرتبطة بالقرآن و الغذاء و الطب كان يحتاج إلى نقاش أوسع من المختصين في علوم القرآن و التفسير و أصول الاستدلال .. طالما أن الرجل بنى جانباً مهماً من أطروحاته على فهمه لبعض الآيات .. و بشكل عام أعتقد أننا بحاجة حقيقية إلى تقارب أكبر بين أهل العلوم الطبيعية والطبية و بين القرآن .. و في ذات الوقت نحن بحاجة أيضاً إلى اقتراب أهل العلوم الشرعية من العلوم الحديثة حتى لا يبقى كل طرف معزولاً عن الآخر .. فالانفصال بين المجالين أضر بالجميع إذ أصبح بعض المتدينين يتحدثون في الطب بلا أدوات علمية كافية بينما ينظر بعض أهل العلوم إلى الدين وكأنه بعيد تماماً عن أسئلة الإنسان الكبرى المتعلقة بالحياة والغذاء والخلق والوجود .. و ربما كانت واحدة من أهم القضايا التي أثارها د. ضياء سواء اتفقنا معه أو اختلفنا هي إعادة فتح باب الأسئلة وتحريك حالة الركود الفكري حتى و إن كانت بعض إجاباته تحتاج بدورها إلى مراجعة و نقاش و تمحيص .. و علي الطلاب والاطباء والصيادلة وارباب الادوية والسموم وعلماءالكيمياء الحيوية وغيرهم محاولات الاستكشاف و المعرفة .. و محاولات (فلفلة البرتوكولات) لانها بالتاكيد ليست قطعية …
ختاماً قال الله تعالي :-
أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبًّا (25)
ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلْأَرْضَ شَقًّا (26)
فَأَنۢبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا
(29) وَحَدَآئِقَ غُلْبًا(30) وَفَـٰكِهَةً وَأَبًّا(31) مَّتَـٰعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَـٰمِكُمْ(32)
صدق الله العظيم .. وربما نعود لمحاولة تدارس بعض الايات التي وردت في هذا الجانب المهم …
سلام
محمد طلب
١٠/ مايو /٢٠٢٦