سؤال الغربة / اميمة عثمان

سؤال الغربة / اميمة عثمان
في زحام الأعوام، حيث تتكرر الوجوه وتتبدل الأمكنة، يظل سؤال الغربة معلقًا كجرسٍ خفيّ في أعماق الروح:
أَفِي كُلِّ عَامٍ غُربَةٌ ونُزُوحُ
أمَا لِلَّنوَى مِن وَنْيةٍ فيُريحُ؟
لَقَد طَلَّحَ البَينُ المُشِتُّ رَكَائِبي
فهَل أَرَيَنَّ البَينَ وهُو طَليحُ؟
وأرَّقَنِي بالرَّي شَجوُ حَمَامَةٍ
فنُحتُ وذُو الشَّوقِ المُشِتُّ يَنوحُ
هذه الأبيات ليست مجرد حنينٍ عابر، بل هي بنية شعورية تُجسّد جدلية الإنسان مع الحياة؛ حيث لا يكون الاغتراب انتقالًا مكانيًا فحسب، بل حالة وجودية تتأرجح بين الاحتياج والاكتفاء، بين العطش والارتواء، بين الحزن والفرح.
الحياة، في جوهرها، ليست خطًا مستقيمًا، بل نسيجٌ من الثنائيات المتقابلة. نحن لا نعرف معنى الاكتفاء إلا حين نذوق مرارة الاحتياج، ولا نشعر بلذة الارتواء إلا بعد أن يعصرنا العطش. وكأن التجربة الإنسانية قائمة على هذا التوتر الخلّاق، الذي لا يهدأ، بل يعيد تشكيل وعينا بذواتنا في كل مرة.
من بين تلاطم إيقاعات الكلام، واختلاج أنفاس البشر في صدر الحياة، ينسل صوتٌ خفي؛ صوتٌ لا يُسمع بالأذن، بل يُدرك بالبصيرة. إنه ذلك التناغم العجيب بين الأضداد، حيث لا يُلغِي أحدُها الآخر، بل يمنحه معناه. فالحزن ليس نقيض الفرح بقدر ما هو شرطه، والحرمان ليس نهاية، بل بداية إدراك القيمة.
وعلى معالم “الآن” الباهتة، حيث يتراكم صدأ الأيام على القلوب، تأتي هذه التجربة الشعورية كريحٍ خفيفة تجلو ذلك التكلس. تلمس مناطق منسية في الداخل، فتوقظ النبض من سباته، وتحرره من قيود الحيّز الضيق إلى أفقٍ أوسع، أفقٍ لا تحدّه الجدران ولا تُقيّده الوقائع.
هناك، في ذلك الامتداد، تلوح شمسٌ غائبة خلف غمامٍ كثيف، غمامٍ لا يخضع لقوانين الانقشاع السريع. لكنه، رغم ذلك، لا يلغي وجود الضوء، بل يؤجله. وكأن الحياة تقول لنا: إن الغياب ليس نفيًا، بل تأجيلٌ للظهور.
وفي أعماق النفس، تجيش المواقف كما تمور البحار، وتتشكل الأحاسيس كدواماتٍ لا قرار لها. من ذاكرة الأحزان، تنساب نار التأوهات، لا لتحرق، بل لتطهّر. ومن أواني الحنين، تتصاعد أبخرة الذكريات، فتتكوّن سحائب لوعة، تجوب سماء الشوق بحثًا عن فراديس حلمٍ مفقودة، أو وعدٍ تاه في زحام الأيام.
لكن تلك السحب، على كثافتها، ليست عبثًا. إنها تعيد تشكيل الوعي، تمنح الألم وظيفة، وتحوّل المعاناة إلى مادةٍ للتأمل. فالحياة، في عمقها، لا تقاس بما تمنحه لنا من راحة، بل بما تفتحه فينا من آفاق.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة: أن الحروف، تلك الكيانات البسيطة في ظاهرها، قادرة على أن تفعل ما تعجز عنه الوقائع. تحررنا من قيود الحيّز، وتدفعنا إلى فضاءات الخيال، حيث يمكن للروح أن تعيد ترتيب العالم وفق منطقها الخاص، لا وفق ما يُفرض عليها.
فليست الكتابة هروبًا من الواقع، بل إعادة صياغة له. وليست الأحلام ضعفًا، بل محاولة لإدراك ما ينبغي أن يكون، لا ما هو كائن فقط.
وهكذا، بين الغربة والوصال، بين الاحتياج والاكتفاء، بين العطش والارتواء، تتشكل جدلية الحياة. لا باعتبارها صراعًا يجب حسمه، بل حوارًا دائمًا يجب أن يُعاش.
وفي هذا الحوار، لا نبحث عن إجابة نهائية، بل عن اتساعٍ أعمق للرؤية… حيث يصبح الألم معنى، والحنين طريقًا، والإنسان—في نهاية المطاف—كائنًا يتشكل بما يفقد، بقدر ما يتشكل بما يجد.
د. اميمه