الكهرباء في السودان… أرقام صادمة وجهود تُقاوم الانهيار ومستقبل في كف عفريت (2)
الكهرباء في السودان… أرقام صادمة وجهود تُقاوم الانهيار ومستقبل في كف عفريت (2)

بقلم: محيي الدين شجر
حين قضيتُ يومين داخل كهرباء سد مروي، برفقة قيادات قطاع الكهرباء في السودان، لم تكن الزيارة جولة ميدانية عابرة، بل كانت اقتراباً حقيقياً من قلب الأزمة، ومواجهة مباشرة مع واقع معقد ومليء بالتحديات.
استمعتُ إلى إفادات صريحة، واطلعتُ على تفاصيل دقيقة، ووقفتُ بنفسي على حجم العمل الذي أُنجز في ظروف تكاد تكون مستحيلة. وفي المقابل، رأيت جهداً كبيراً يُبذل في بيئة قاسية وغير مسبوقة.
الحقيقة التي ينبغي قولها دون مواربة: قبل الحرب، لم تكن الكهرباء في السودان في أفضل حالاتها. كانت القطوعات جزءاً من يوميات المواطنين في الخرطوم وبقية الولايات، رغم أن الإنتاج الكلي كان يتراوح بين ثلاثة آلاف إلى ثلاثة آلاف وخمسمائة ميغاواط. نعم، كانت هناك مشاريع قاربت على الاكتمال، مثل قري (3) ومحطة كلاناييب ببورتسودان، لكن تسارع الأحداث منذ العام 2018 حال دون إكمالها.
قبل الحرب، كان التوليد يعتمد على مزيج من المصادر المائية والحرارية. بلغ التوليد المائي نحو 1900 ميغاواط من سد مروي وسدي الروصيرص وستيت، بينما كان التوليد الحراري في حدود 1600 ميغاواط، موزعاً على عدد من المحطات الرئيسة.
محطة بحري الحرارية كانت تنتج نحو 500 ميغاواط، فيما تضيف محطة بحري الغازية حوالي 150 ميغاواط. أما محطات قري (1 و2) فكانت تسهم بنحو 450 ميغاواط، بينما تنتج قري (4) حوالي 110 ميغاواط. وتُعد محطة أم دباكر من أبرز محطات التوليد الحراري، بإنتاج يصل إلى 300 ميغاواط.
كانت هناك خطة واضحة للتوسع، تشمل تشغيل قري (3) بإنتاج يصل إلى 450 ميغاواط، إلى جانب محطة كلاناييب بطاقة 350 ميغاواط، فضلاً عن التوسع الرأسي عبر إنشاء خزانات لتعزيز التوليد المائي.
لكن الحرب غيّرت كل شيء.
خروج محطات رئيسة عن الخدمة، مثل بحري الحرارية وبحري الغازية، إلى جانب قري (1 و2 و4)، أحدث فجوة كبيرة في الإمداد الكهربائي. عملياً، توقف معظم التوليد الحراري، ولم يتبقَّ سوى مساهمة محدودة من محطة أم دباكر. هذا الواقع وضع ضغطاً هائلاً على التوليد المائي، الذي أصبح المصدر شبه الوحيد للكهرباء في البلاد.
النتيجة كانت واضحة: انخفاض كبير في الإنتاج مقابل طلب متزايد، خاصة مع اقتراب فصل الصيف ودخول القطاعين الزراعي والصناعي، ما ينذر بوضع أكثر تعقيداً إذا لم تُتخذ معالجات عاجلة.
ورغم هذا المشهد القاتم، لا يمكن تجاهل حجم الجهد المبذول. فقد نجح قطاع الكهرباء في صيانة 1048 محولاً تعرضت للتلف، كما تمكن من إعادة عدد من المحطات إلى الخدمة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل امتد إلى ترميم خطوط النقل بمختلف مستوياتها: الضغط العالي والمتوسط والمنخفض، وإعادة تأهيل الأسلاك التي سقطت على الأرض، وصيانة الكيبلات المتضررة.
إن ما تحقق على الأرض يعكس عملاً استثنائياً في ظل ظروف الحرب، وشح الإمكانيات، ونقص الإسبيرات؛ جهد يمكن وصفه دون مبالغة بأنه محاولة لصناعة “شربات” من فسيخ شديد الملوحة.
ما رأيته على الأرض يؤكد أن هناك محاولات جادة لإبقاء الشبكة تعمل، حتى بالحد الأدنى.
خلال الزيارة، قلتُ للمدير العام للشركة القابضة للكهرباء، المهندس عبد الله أحمد محمد، إن ما تحقق ليس عملاً عادياً، بل جهد غير مسبوق في تاريخ السودان، لم يحدث حتى قبل الحرب. ما يجري هو محاولات مستميتة لإنقاذ قطاع كامل من الانهيار.
الكهرباء في السودان اليوم تقف على حافة معادلة صعبة: إنتاج محدود، وبنية تحتية متضررة، وطلب متزايد. وبين هذه التحديات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح هذه الجهود في عبور البلاد إلى بر الأمان؟ أم أن الصيف الذي بدأ يطرق الأبواب سيكون أكثر قسوة، فتفرض الأزمة واقعاً أشد إيلاماً في الأيام القادمة؟ أم تتحرك الدولة بدعم عاجل لهذا القطاع لينتشل نفسه من كبوته؟