وجع البيوت الصامتة… ود مدني مدينة أنهكها الجنجويد…..

…..وجع البيوت الصامتة… ود مدني مدينة أنهكها الجنجويد…..

بقلم : ابوعبيدة محمد عثمان
حدثني بعض المواطنين الذين لم يغادروا بيوتهم، وهم يحملون في أصواتهم بقايا ارتجاف لم يهدأ منذ سقوط بعض المدن السودانية في يد الجنجويد…
قالوا إن الليل لم يعد وقتًا للراحة، بل بداية لامتحان طويل من الخوف. قبيل المغرب، كان القلق يتسلل إلى القلوب ببطء، كضيف ثقيل لا يُرى، لكنه يُخنق الأنفاس. تجتمع الأسرة كلها في غرفة واحدة، تُغلق النوافذ والأبواب بإحكام، وكأنهم يحاولون إغلاق العالم كله خارجهم. داخل تلك الغرفة، لا شيء سوى ظلام خانق، وبعوض لا يرحم، ورائحة اوراق شجر النيم المحروقة لتطرد البعوض ،وكهرباء غائبة كأنها لم تكن يومًا. هناك، لا نوم… فقط أجساد مرهقة وعيون مفتوحة على انتظار مجهول.
تخيّل أن الليل يمر عليك وأنت تعدّ أنفاسك، لا ساعاتك.
كل من التقيت به قال لي: “أنا أكره… حتى يومنا هذا”، وكأن الكلمة توقفت في منتصف الطريق، عاجزة عن وصف ما تبقى في الداخل.
أما النهار، فلم يكن أكثر رحمة. حركة حذرة حركة التاتشرات القتالية والمواتر كثيفة تضرب وتجلد كل ما يشاهدوه، خطوات محسوبة، وابتعاد دائم عن الشوارع الرئيسية. هناك، حيث تُعرض مشاهد القتل والنهب والضرب والاغتصاب بشكل يكاد يصبح يوميًا، كأن الحياة فقدت معناها، وتحولت إلى مشهد متكرر من الألم.
أما الارتكازات كان معظمها من المرتزقة السوريين واليمنيين والليبيين وبعض التشادين والقليل من السودانيين يضعون الحواجز في تقاطعات الشوارع الرئيسية يصبون جم غضبهم على المواطنين الذين يرتدون البنطلون والقميص وكذلك المواطنين أصحاب الملابس النظيفة .
وكان سؤال هؤلاء المرتزقة عن هويتك …نعم الهوية ..
وكان الخوف الأكبر يسكن البيوت، لا الشوارع. خوفٌ من أن تُرى البنات. كان التفكير طوال اليوم منصبًا على إخفائهن، على تقليل حركتهن، على محو وجودهن عن العيون. كأن الحياة نفسها أصبحت عبئًا يجب إخفاؤه.
أما الطعام والشراب… فحكاية أخرى من العجز. نفدت الأموال منذ الأسبوع الأول؛ سُلبت تحت التهديد، أو تآكلت أمام أسعار لا ترحم. صار الجوع رفيقًا دائمًا. يخرج بعض الشباب عند سماع خبر كسر دكان أو بقالة، أو مخزن يندفعون كمن يطارد فرصة للبقاء، لا للعيش، فيأخذون ما يسد رمقهم… ثم يعودون، ليبدأ اليوم ذاته من جديد.
والماء… صار رحلة. حفرٌ عميقة للوصول إلى خطوط المياه،الرئسية وقطعها، ثم الشرب منها. صفوف طويلة من الوجوه المتعبة، تنتظر دورها، وقد يأتي قبيل المغرب أما إذا غابت الشمس فيسرعون لمنازلهم دون ماء . والماء قد لا يأتي واحيانا مرتين في الاسبوع بعد شراء المواطنين للجاز لتشغيل ابار المياه هذا إذا سلم الجاز من النهب والسلب من الجنجويد. أما بعض المواطنين ، ممن يسكنون قرب البحر، لم يجدوا إلا مياهه ملاذًا، رغم قسوته.
أما المرض، فكان حكمًا صامتًا بالموت. كثيرون رحلوا لأن الدواء لم يكن متاحًا، خاصة كبار السن. وآخرون أنهكتهم حمى الضنك والملاريا، حتى سقطوا بلا مقاومة. المستشفيات؟ معظمها تم نهبها وهجرها أصحابها خوفا على انفسهم ، اما مستشفى ود مدنى الذهاب إليها أصبح حلمًا بعيدًا، أقرب إلى المستحيل.
كل يوم كان يمر، كان يضيف ثقلًا جديدًا على صدور الناس. الموت يزداد عددًا، والخوف يتجذر أكثر. ومع الوقت، لم تتغير فقط ملامح الوجوه، بل تغيّر شيء أعمق… نظرتهم للحياة نفسها. كأنهم لم يعودوا يرونها كما كانت، بل كما صارت: عبورًا مؤلمًا بين لحظة نجاة وأخرى.
وفي النهاية، لم تترك هذه التجربة فيهم مجرد ذكريات مؤلمة، بل أعادت تشكيل دواخلهم بالكامل؛ صار الخوف جزءًا من يومهم، والقلق ظلًا لا يفارقهم، وتبدلت الطمأنينة إلى حذر دائم. إنها ليست معاناة عابرة، بل جرح نفسي عميق، ما زال ينزف بصمت داخل كل من عاش تلك الأيام.
*دكتور ابوعبيدة محمد عثمان محي الدين…
*اختصاص علم النفس