نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (18 من 26): حساب التكلفة الحقيقي… كيف نحمي رأس المال من التآكل الصامت؟
بهدوءٍ وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي
نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (18 من 26): حساب التكلفة الحقيقي… كيف نحمي رأس المال من التآكل الصامت؟
تنبيه منهجي:
يقوم هذا الطرح على أن صلاح البيئة العامة للدولة هو الإطار الأمثل لنجاح أي نهضة اقتصادية، غير أن غيابه أو تأخره لا يمنع من العمل ضمن الممكن. كما يُراعى في تقدير التكاليف والعوائد النظر إلى قيمتها الحقيقية لا الاسمية، بما يحفظ رأس المال من التآكل مع تقلبات الأسعار.
من أكثر الأخطاء شيوعًا في الأنشطة القروية أن يُظن أن مجرد حصول البيع دليلٌ كافٍ على النجاح. فيزرع الناس، أو يربّون، أو يصنّعون، ثم إذا دخل المال أيديهم عدّوا ذلك ربحًا، مع أن الفرق كبير بين أن يبيع الإنسان، وبين أن يكون قد حقق ربحًا حقيقيًا بعد استيفاء الكلفة كلها. فليست القضية: هل خرج المنتج إلى السوق؟ بل: هل عاد من السوق بعائدٍ يفوق ما استُهلك فيه فعلًا؟
ومن هنا تأتي أهمية هذا الباب: حساب التكلفة الحقيقي. فالمشكلة في كثير من البيئات القروية ليست في غياب النشاط، بل في غياب الميزان الذي يكشف حقيقة هذا النشاط: هل هو رابح فعلًا؟ أم أنه يستهلك رأس المال ببطء تحت ستار الحركة والبيع؟ ولذلك فالحساب هنا ليس مسألة إدارية جانبية، بل أداة لمعرفة الحقيقة الاقتصادية للنشاط، والتمييز بين الربح الظاهر والربح الحقيقي.
وحساب التكلفة الحقيقي لا يعني الدخول في تعقيد محاسبي يرهق الناس، بل يعني أن نكف عن الاكتفاء بالنظر إلى بعض المصروفات الظاهرة فقط. فليس من الصحيح أن نحسب البذور أو العلف أو الوقود وحدها، ثم نغفل ما عداها. لأن النشاط الاقتصادي يتحمل كذلك كلفة النقل، والعبوات، والماء، والخدمة، والفاقد، والتلف، وأجور العمل إن وجدت، واستهلاك الأدوات، وتأخير البيع، وتجميد المال خلال الموسم، إلى جانب ما يبذله أهل البيت أنفسهم من وقت وجهد لا يجوز أن يختفي من النظر لمجرد أنه لم يخرج نقدًا من الجيب.
ومن هنا فإن أول خلل في هذا الباب ليس ضعف النشاط نفسه، بل نقص الحساب. فحين تُخفى بعض عناصر الكلفة، أو تُستبعد من التقدير لأنها لم تُدفع نقدًا مباشرة، يظهر النشاط رابحًا على الورق أو في الانطباع، مع أنه أضعف من ذلك في الحقيقة. ولهذا فإن إدخال جميع الكلف في الميزان ليس تشددًا محاسبيًا، بل شرطٌ أول لمعرفة ما إذا كان النشاط يستحق الاستمرار أو التوسع.
فحين يعمل أفراد الأسرة ساعات طويلة في مشروع ما، ثم لا يُحسب هذا الجهد بأي صورة، قد يبدو النشاط رابحًا أكثر مما هو عليه في الحقيقة. وحين يتلف جزء من المحصول أو المنتج ثم لا يدخل في الحساب، يظهر العائد أعلى من الواقع. وحين تستهلك أداة أو آلة أو وسيلة نقل جزءًا من عمرها في النشاط ولا يُلتفت إلى ذلك، يكون الربح الظاهر أكبر من الربح الحقيقي. وهكذا لا يخسر الناس لأن النشاط معدوم، بل لأن ميزان النظر نفسه ناقص.
ثم إن الحساب الصحيح لا يقف عند معرفة مجموع الكلفة فقط، بل يحتاج إلى معرفة الكلفة لكل وحدة من وحدات الإنتاج. فكم كلفنا الكيلو؟ أو الرأس؟ أو العبوة؟ أو اللتر؟ لأن كثيرًا من القرارات الخاطئة تنشأ من الجهل بهذه النقطة البسيطة. فقد يبيع الناس بسعرٍ يبدو مقبولًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة أقل من الكلفة الفعلية إذا حُسبت على الوحدة المنتجة. وهنا لا يقع الاستنزاف دفعة واحدة، بل يتكرر مع كل دورة بيع.
كما أن من أعظم ما يربك الحكم على الربح في واقعنا تقلب قيمة العملة وارتفاع الأسعار. فقد يرتفع رقم البيع من موسم إلى آخر، ويظن الناس أنهم قد تقدموا، بينما يكون السبب الحقيقي هو تراجع قيمة النقد، لا تحسن النشاط نفسه. ولهذا فإن من الحكمة أن يُنظر إلى الكلفة والعائد بقيمة حقيقية لا اسمية؛ أي أن يُسأل: هل زادت قدرتنا الفعلية على الشراء أو الادخار أو إعادة التشغيل؟ أم أن الأرقام فقط هي التي كبرت بينما القيمة الحقيقية لم تتحسن، أو ربما تراجعت؟
وهنا يكون الرجوع إلى معيار أقرب إلى الثبات—كالذهب أو العملات المستقرة أو سلة واضحة من المدخلات الأساسية—مفيدًا في تقدير الحقيقة، لا من باب التعقيد، بل من باب حماية الناس من الوهم. لأن رأس المال قد يضعف فعليًا مع الزمن إذا ظن أصحابه أن كل زيادة في الرقم زيادة في الربح، مع أن الزيادة قد تكون مجرد أثر لانخفاض قيمة النقد.
ومن فوائد حساب التكلفة الحقيقي أيضًا أنه يكشف موضع الضعف لا مجرد وجوده. فقد يتبين أن المشكلة ليست في أصل النشاط، بل في بند معين: نقل مرتفع، أو فاقد زائد، أو علف غير منضبط، أو عبوات مكلفة، أو بيع متعجل، أو تبريد غير متوفر، أو عمالة أكثر من الحاجة. وهنا يصبح الإصلاح ممكنًا، لأن الخلل لم يعد شعورًا عامًا، بل صار رقمًا محددًا يمكن التعامل معه.
وهذا الحساب ليس مطلوبًا فقط للحكم على الماضي، بل هو ضروري لبناء القرار القادم. هل نتوسع أم لا؟ هل نغير المنتج؟ هل ندخل خطوة تحويل جديدة؟ هل نشتري آلة؟ هل نؤجل البيع؟ كل هذه القرارات لا ينبغي أن تُبنى على الانطباع أو على الحماس، بل على معرفة واضحة: هل النشاط الحالي يعطي عائدًا حقيقيًا بعد جمع كلفته كلها؟ فإذا لم تُعرف هذه الحقيقة، صار التوسع نفسه بابًا لتكبير الخطأ، لا لتكبير الربح.
ومن هنا فإن السجل البسيط يصبح أداة من أدوات النهضة، لا مجرد ورقة إدارية. فحين تُسجل المدخلات، والمصروفات، والفاقد، والكميات، وسعر البيع، وما بقي بعد ذلك، تبدأ الصورة في الانكشاف. وقد لا تحتاج القرية في بدايتها إلى أكثر من دفتر واضح أو جدول بسيط، لكن أثر ذلك كبير، لأنه ينقل النشاط من الظن إلى المعرفة، ومن العادة إلى التقدير.
والأهم من ذلك أن حساب التكلفة الحقيقي يعيد ترتيب العقلية نفسها. فبدل أن يكون السؤال: “هل بعنا؟” يصبح السؤال: “هل كان هذا البيع مربحًا فعلًا؟” وبدل أن يكون المعيار هو كثرة الحركة فقط، يصبح المعيار هو صافي الأثر بعد طرح ما استُهلك من مال وجهد ووقت. وهذه نقلة أساسية في أي اقتصاد يريد أن ينهض، لأن النشاط الذي لا يعرف حقيقته بالأرقام يظل معرضًا لأن يستنزف نفسه وهو يظن أنه يتقدم.
إن حماية رأس المال لا تكون فقط بمنع السرقة أو تقليل الإنفاق الظاهر، بل تكون كذلك بمنع التآكل الصامت الناتج عن الحساب الناقص، أو التسعير الخاطئ، أو تجاهل الفاقد، أو الخلط بين الربح الاسمي والربح الحقيقي. وهذا النوع من التآكل أخطر من الخسارة الظاهرة أحيانًا، لأنه يستمر طويلًا دون أن يوقظ الناس.
فالقرية التي تريد نهضةً راشدة لا يكفيها أن تعمل، بل ينبغي أن تعرف بدقة: ماذا كلّفها العمل؟ وماذا بقي لها منه بعد تمام الحساب؟ وأين يتسرب الفرق؟ فهذه المعرفة ليست ترفًا، بل هي الفارق بين نشاطٍ يبدو حيًا في ظاهره، ونشاطٍ يثبت فعلًا أنه يولد قيمة حقيقية. فالحساب الصحيح ليس ضد الحماس، بل هو الميزان الذي يكشف هل هذا الحماس يبني رأس المال، أم يستهلكه في صورةٍ لا تبدو لأول وهلة.
وفي المقال القادم إن شاء الله ننتقل إلى محور مكمّل لهذا الباب، وهو من أهم أدوات التنظيم الاقتصادي الجماعي في القرية:
الجمعية التعاونية القوية… شركة أهل القرية.