حين يصبح الحب وجعًا لا يُقال

 

بقلم د. اميمة عثمان

في الليل، حين يهدأ العالم ويعلو صوت الداخل، أدرك تماما أن الصمت ليس بعجزٍ كما نظن، بل هو امتلاءٌ لا يجد شكلًا يناسب سعته أو حروفا تقال به.
بعض المشاعر لا تضيق بالكلمات فحسب، بل تفسدها الكلمات أيضًا؛ لأن ما يُحسّ أعمق مما يُروى، وما يُعاش أصدق مما يُقال.

كنتُ أظن أن الوجع نقيض الحب، ثم اكتشفت متأخرًا أنه وجهه الآخر. فنحن لا نتألم إلا من الأشياء التي تضيء فينا حد التوهج، ولا نحزن إلا على ما كان يومًا جزءًا من أرواحنا. لذلك، لم يكن الوجع عقابًا، بل كان دليلًا خفيًا على أن القلب ما يزال حيًا، وأن الحب حين يسكننا لا يمرّ مرور العابرين، بل يترك أبوابه مفتوحة فينا إلى الأبد.
كما قال الشاعر ياسر عبدالرحمن خيري

لو كنتُ أملك أن أقول لقلتها، وتلوتُ جهرًا كل فرضٍ في هواكِ،حبيبتي،
أنا كم أحبك تعلمين وإنما عَظُمَت بصمتي في هواكِ مصيبتي.

(لو كنتُ أملك أن أقول لقلتها، وتلوتُ جهرًا كل فرضٍ في هواكِ،) بالفعل أعظم الحب هو ذلك الذي لا يُقال أو الذي يقف عند حافة البوح ثم يعود إلى القلب، لا خوفًا من الرفض، بل احترامًا لقداسة الشعور. فبعض الإعترافات إن قيلت أصبحت عادية، وإن بقيت بالدواخل بقيت مُطلقة، لا يحدّها واقع ولا تُنهيها إجابة.

كم مرة رتبتُ الكلام على شفة البوح، ثم تراجعت، ليس لأنني لا أملك اليقين، بل لأنني أملكه أكثر مما ينبغي. كنتُ أخشى أن يتحول هذا الضوء، حين يُقال، إلى ذكرى، وأن يتحول هذا الدفء، حين يُعرَّف، إلى شيء يمكن فقده. فالصمت أحيانًا ليس هروبًا، بل طريقة أخرى للحفاظ على الأشياء الجميلة من النهاية.

كم مرة رتبتُ في شفةِ الكلامِ دواخلي، فأبت تصدقها لديكِ قصيدتي
أنا إن وقفتُ أمام حسنكِ صامتًا حسبي بحسنكِ أن يكون جريرتي.

وحين وقفتُ أمام الجمال صامتًا، لم يكن الصمت نقصًا في الكلام، بل كان اعترافًا بأن بعض الجمال يُربك اللغة، وأن بعض الحب يجعل الإنسان متأملًا أكثر منه متكلمًا. هناك فقط فهمتُ أن مشكلتي لم تكن يومًا أنني لا أُجيد الكلام، بل أنني كنتُ أشعر أكثر مما ينبغي، ومن يشعر كثيرًا… يصمت كثيرًا.

هكذا تعلّمت متأخرًا أن الوجع ليس العدو دائما وأن الصمت ليس ضعفًا، وأن الحب الحقيقي لا يُقاس بعدد الكلمات، بل بقدر ما يغيّرنا من الداخل. فهناك مشاعر لا تنتهي، حتى وإن انتهت الحكاية، وهناك أشخاص لا يغادروننا، حتى وإن غادروا حياتنا، لأنهم ببساطة انتقلوا من العالم الخارجي إلى الداخل، والذين يسكنون الداخل… لا يرحلون أبدًا.