محمد طلب يكتب : *الحبشية الحلوة الخلوقة*
هناك شعوب تُعرف بتاريخها .. و حضارتها .. و قِدمها .. و شعوب تُعرف بإنجازاتها .. لكن هناك شعوباً نادرة .. تُعرف بقلوبها .. و من بين هذه الشعوب .. يقف الشعب الإثيوبي .. الذي يجتمع به معظم المذكور اعلاه .. يقف الشعب الاثيوبي شامخاً .. لا بصخب الشعارات .. بل بهدوء المحبة .. و صدق الفطرة .. و عمق التربية التي لا تُرى .. لكنها تُحس في لحظة واحدة فتغمر القلوب ….
التربية ليست درساً يُلقن بل روح تُغرس .. فتخرج فجأة في موقف تحسبه عادي .. كاشفة لك عن معدن أمة كاملة .. تخلف انطباعاً راقياً عن ذاك الشعب و سلوكه من تصرف شخص واحد فقط ..
بمهجرنا القسري في المجمع السكني الذي اقطن به وأسرتي كنت أنزل درجات السلم ببطء، متكئاً على عكازي .. جسد متعب .. و روح تحاول أن تتماسك .. كل درجة كانت تحتاج إلى جهد .. و كأنني أتعلم المشي من جديد .. في تلك اللحظة ظهرت طفلة إثيوبية صغيرة بزيها المدرسي تركض بخفة الطفولة كأن الدنيا كلها أمامها .. ظننتها منطلقة بسرعة في طريقها إلى شقة والديها .. ثم أدركت لاحقاً أن شقتهم كانت في الطابق الأرضي أصلاً .. أي أنها لم تكن صاعدة ولا مستعجلة لشيء في الأعلى .. (غيري أنا) .. لقد رأتني فصعدت .. نعم صعدت درجات السلم خلاف اتجاهها فقط لأنها رأت إنساناً يحتاج إلى يد تساعده ..
و هنا تتغير القصة كلها ..
فلم تكن مصادفة .. و لا لحظة عفوية .. بل (قرار صغير) خرج من (قلب كبير) .. توقفت الطفلة الجميلة عندي .. و انا في دهشة .. و كأن قلبها ناداها *(هنا إنسان يحتاجك)* .. مدت يدها الصغيرة .. و أمسكت يدي بثقة لا تشبه عمرها و هي تبتسم .. و تقول كلمات لم أفهمها لكنها كانت أصدق من أي لغة .. كلمات سمعتها بقلبي إذ لا حاجة لأن توصل اشارت للمخ عبر الاذن للترجمة و محاولة الفهم ..
و تركت لها يدي فأخذتني ببطء .. و حنان .. و حذر .. كانت تمشي معي لا كطفلة تقود رجلاً .. بل كروح تحمل روحاً رقيقة .. تخاف عليها .. وصلنا إلى الطابق الأرضي .. توقفت.. نظرت إليّ ثم قالت شيئاً لم أفهمه… لكنه وصلني .. فقلت لها بلغتها *(أشي .. أمسغنالو)* فانحنت و جثت علي ركبتيها و قبلت ركبتي .. قُبلة احسستها تلامس الروح .. في تلك اللحظة .. انكسر شئ جميل بداخلي .. احتضنتها .. وقبلت رأسها بحب ابوي و أنا أرتجف .. و دموعي تتساقط من شعور لا يُوصف .. خليط من الامتنان .. و الدهشة .. والحب .. و الألم أيضاً …
انطلقت و هي سعيدة خفيفة إلى شقتها القريبة بذات الروح التي أقبلت بها عليّ بالدرج .. وانطلقت و كأنها لم تفعل شيئاً يُذكر .. و تركتني و هي لا تدري كم أنا مثقل بالمشاعر المتناقضة الان .. وقفت وحدي .. أمسح دموعي ببطء ..
و أحدق في الدرج الذي نزلته معها خطوة بخطوة لكنني في الحقيقة لم أكن أنظر إلى الدرج .. كنت أنظر إلى شئ أبعد من ذلك بكثير .. إلى بلادي .. إلى حالنا .. الي ذلك الجفاف العاطفي .. إلى تلك القسوة التي تسللت إلينا حتى صارت عادية .. تذكرت حربنا لبعضنا و سنواتها الاليمة القاسية .. تذكرت كيف أصبح الألم خبراً يومياً عادياً و كيف صار الإنسان يمر بجانب أخيه فلا يراه اطلاقاً .. تذكرت كيف فقدنا شيئاً فشيئاً تلك الحساسية الجميلة تجاه بعضنا .. كيف صار الواحد منا مشغولاً بنفسه .. بجراحه .. بخوفه .. حتى ضاق قلبه عن الآخر .. فسألت نفسي و أنا أمسح دموعي :-
*متى أصبحنا هكذا ؟؟؟ متى صار الإنسان فينا يحتاج إلى صراخ حتى يُرى؟؟؟*
*و متى فقدنا تلك البساطة التي جعلت طفلة صغيرة تصعد السلم عكس طريقها فقط لتكون إنساناً ؟؟؟*
كانت تلك الطفلة الجميلة الخلوقة .. درساً قاسياً وجميلاً في آنٍ واحد ..
جميل .. *لأنها ذكرتني أن الخير لا يزال موجوداً*
وقاسٍ .. *لأنها جعلتني أرى كم ابتعدنا عنه*
يا تُري من أين لهذه الطفلة كل هذا الجمال؟؟؟
لا شك عندي أنه من بيت يعرف أن التربية ليست أوامر بل قدوة و سلوك يُري من أم غرست فيها الرحمة .. و من أب علمها أن قيمة الإنسان في القيم الانسانية التي يحملها .. و من مجتمع لا يزال رغم كل التغيرات يحتفظ بجذور عميقة من الاحترام .. والتراحم .. و الإحساس بالآخر ..
حين سألت صديقاً إثيوبياً يتحدث الانكليزية عن دلالات تقبيل الركبتين قال :-
(هذه غاية الاحترام لكبار السن .. هنا الناس يشعرون بمن يحتاج)
ثم قال بأسف :-
(لكنها بدأت تقل كثيراً)
ابتسمتُ بحزن .. و قلت في نفسي :-
حتى هذا القليل هنا كثير جداً بنظري…
يا لهذا الشعب الذي يُعلم أبناءه أن يروا الإنسان قبل أي شيء أخر .. يا لهذا الشعب الذي لا يكثر الحديث عن القيم .. لكنه يزرعها حتى تُثمر في طفلة صغيرة .. تصعد السلم وتفارق طريقها فقط لتساعد من رأت أنه بحاجة للمساعدة .. التربية السليمة هي ما يصنع الفرق بين مجتمع يرى و آخر يعمى يوم بعد يوم .. التربية السليمة هي التي تجعل طفلة في الثامنة تترك طريقها و تصعد عكس اتجاهها لتُمسك بيد غريب و تعيد له شيئاً من إنسانيته .. بينما (دولة) تصدر قانون الوجوه الغريبة مثلما حدث في حرب (السودان ضد السودان) ثم ظهور (فتيات) مغنيات يرددن بسخف بعيد عن الواقع (أنا واحدة واقعية) …
غادرت المكان .. لكنني لم أغادر تلك اللحظة .. لا تزال يدها الصغيرة في يدي المرتجفة .. و لا تزال قُبلتها على ركبتي تدغدغ مشاعر الابوة .. و لا تزال دموعي شاهدة و أنا أسير و في قلبي الدعوات دعاء لها أن يحفظها الله .. و يجعل مستقبلها على قدر هذا النور الذي تحمله ..
و دعاء لنا أن نعود كما كنا
أو كما يجب أن نكون…
وختاماً الحقيقة العظيمة
عبر عنها البيت الشعري الشهير لأمير الشعراء أحمد شوقي يؤكد أن الأخلاق هي أساس بقاء الأمم و قوتها .. وأن انهيار القيم الأخلاقية للشعوب يؤدي حتماً إلى زوالها و فنائها .. الأخلاق هي الركيزة الأساسية للحضارة و سر استمرارها فإذا فُقدت تلاشت الأمة مهما بلغت من قوة :-
*إنما الأمم الأخلاق ما بقيت…فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا..*
سلام
محمد طلب
3/ابريل/2026