هناك شيء مختلف يحدث في الشمالية
الشمالية / من الصحة يبدأ البناء
بقلم: محيي الدين شجر
بعد الحرب، نزحت إلى بورت سودان.. مراتع الصبا، رغم أن جذوري تمتد عميقًا في الشمال. عدت بلا تردد إلى حيث البدايات الأولى، حيث الناس الطيبون والبساطة التي لا تُشترى، حيث أهلي من البجا.. أولئك الذين يمنحونك شعور الانتماء قبل أن تسأل عنه. بورت سودان الحنينة، بسكرتها الخاصة، وبأهلها الذين يفيضون ودًا ومحبة.. لهم مني التحية والتقدير.
وفي الشمال، استوقفتني تجربة مختلفة، بل شخصية يمكن وصفها بالاستثنائية؛ رجل كلما وُجّه إليه نقد، ازداد إصرارًا، وكلما اشتدت عليه الضغوط، أخرج من جيبه مشروعًا جديدًا. وكما يُقال، فإن الأشجار المثمرة وحدها تُقصف بالحجارة.
ما شدّ انتباهي في هذا الرجل، الذي لم ألتقه يومًا، أن وتيرة عمله لا تعرف التوقف. ينهي مشروعًا ليبدأ آخر، دون ضجيج، ودون انشغال بالرد على الأصوات المثبطة. والأهم من ذلك، أنه وجد بيئة مُمكِّنة، حيث أتاح له والي الشمالية مساحة للعمل، بعيدًا عن عقلية التحجيم التي تعاني منها مؤسسات كثيرة في ولايات أخرى.
أتحدث هنا عن مدير عام الصحة بالولاية الشمالية، الدكتور ساتي حسن ساتي، الذي لفت الأنظار بسلسلة من الإنجازات العملية، وهي إنجازات معروفة وتحتاج إلى كتاب كامل لرصدها، لكن ما استوقفني مؤخرًا هو تلك القفزات النوعية التي تحمل أثرًا مباشرًا في حياة الناس.
مخيمات تركيب الأطراف الصناعية، وتوطين هذه الصناعة داخل الولاية، ليست مجرد مشروع خدمي، بل تحوّل إنساني عميق، خاصة بعد أن تجاوز عدد المستفيدين 600 حالة من مصابي الحرب والأطفال، وهو رقم تختبئ خلفه قصص ألم تحولت إلى بدايات جديدة للحياة.
ولعل من أبرز الخطوات الاستراتيجية، توقيع اتفاقية “القابيا” بين السودان ومصر لمكافحة الملاريا. هذه الاتفاقية لا تمثل تعاونًا عابرًا، بل تعكس وعيًا بأهمية العمل الصحي المشترك، خاصة في المناطق الحدودية التي تُعد بؤرًا نشطة لانتقال المرض. فالتنسيق بين البلدين يعني تبادل المعلومات الوبائية، وتوحيد جهود المكافحة، وتكامل الموارد والخبرات، وهو ما يعزز فرص السيطرة على الملاريا بشكل أكثر فاعلية واستدامة.
كما أن أثر هذه الاتفاقية لا يقف عند حدود الصحة، بل يمتد إلى الاقتصاد والمجتمع، حيث يسهم خفض معدلات الإصابة في رفع الإنتاجية، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار، وتخفيف العبء على المؤسسات الصحية، في ظل تحديات معقدة تمر بها البلاد.
حين سألت بعض المقربين من ملف الصحة، وجدت إجماعًا على أن الرجل يصنع الفرص ولا ينتظرها. يبادر، يجتهد، ويثابر، مستفيدًا من شبكة علاقاته مع المؤسسات الصحية الدولية، محولًا تلك العلاقات إلى مشاريع ملموسة على الأرض.
وفي تقديري، فإن ما تحقق في القطاع الصحي بالولاية الشمالية لا ينبغي النظر إليه كنجاح قطاعي معزول، بل كقاعدة صلبة يمكن أن تُبنى عليها نهضة شاملة. فالاستقرار الصحي هو المدخل الطبيعي لأي تنمية حقيقية؛ إذ لا استثمار دون بيئة صحية آمنة، ولا سياحة دون خدمات علاجية موثوقة، ولا استقرار سكاني دون نظام صحي قادر على الاستجابة.
ومن هنا، يمكن للولاية الشمالية أن تتحول في المستقبل القريب إلى وجهة جاذبة، ليس فقط للمشاريع الاستثمارية، بل أيضًا للسياحة العلاجية، خاصة إذا ما تم ربط هذه الجهود بتطوير البنية التحتية، وتحفيز القطاع الخاص، واستثمار الموقع الجغرافي والموارد المتاحة. فحين يثق الإنسان في الخدمات الصحية، يطمئن للاستقرار، وحين يطمئن، يبدأ البناء الحقيقي.
في زمن الأزمات، لا نحتاج إلى كثير من التنظير، بل إلى نماذج عملية تُثبت أن الإرادة السودانية، حين تجد الدعم، قادرة على صنع الفارق. وربما هذا ما يجعل تجربة الشمال جديرة بالانتباه.. لا لأنها مثالية، بل لأنها تُحاول، وتنجز، وتواصل الطريق.