نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (8 من 26): قرى النباتات الطبية والعطرية… زراعة صغيرة بعائد كبير
بهدوءٍ وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي
نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (8 من 26): قرى النباتات الطبية والعطرية… زراعة صغيرة بعائد كبير
تنبيه منهجي:
يقوم هذا الطرح على أن صلاح البيئة العامة للدولة هو الإطار الأمثل لنجاح أي نهضة اقتصادية، غير أن غيابه أو تأخره لا يمنع من العمل ضمن الممكن. كما يُراعى في تقدير التكاليف والعوائد النظر إلى قيمتها الحقيقية—لا الاسمية—بما يحفظ رأس المال من التآكل مع تقلبات الأسعار.
إذا كانت بعض القرى تملك مقومات التميز في المحاصيل الغذائية أو البستانية، فإن هناك قرى أخرى قد يكون باب نهضتها الأوسع في النباتات الطبية والعطرية، لا سيما حين تكون الأرض محدودة، أو الماء محسوبًا، أو الحاجة قائمة إلى نشاطٍ زراعيٍ مرتفع القيمة لا يعتمد على المساحات الكبيرة وحدها. وهذا الباب من أبواب الاقتصاد القروي جدير باهتمامٍ خاص، لأنه يجمع بين إمكان الزراعة، وإمكان التجفيف، وإمكان التصنيع البسيط، وإمكان النفاذ إلى أسواقٍ متنوعة إذا أُحسن تنظيمه.
إن ميزة هذا النوع من النشاط أنه لا يقوم فقط على كمية الإنتاج، بل على نوعيته وجودته وطريقة التعامل معه بعد الحصاد. فالنبات الطبي أو العطري قد تكون مساحته محدودة، لكن قيمته ترتفع إذا زُرع في البيئة المناسبة، وجُمِع في الوقت المناسب، وجُفف بطريقةٍ صحيحة، وحُفظ بعيدًا عن الرطوبة والخلط والتلوث. وهنا يظهر الفرق بين زراعةٍ عادية تبيع مادة خامًا بثمنٍ محدود، وزراعةٍ واعية تبيع منتجًا مطلوبًا بمواصفاتٍ أوضح وقيمةٍ أعلى.
وتنبغي الإشارة إلى أن هذا المجال لا يصلح أن يُبنى على الحماس المجرد أو على تقليد الآخرين تقليدًا أعمى، بل يحتاج إلى اختيارٍ دقيقٍ للنبات الملائم من حيث المناخ، ونوعية التربة، وتوفر المياه، وخبرة الناس، وقرب السوق أو إمكان الوصول إليه. فليس كل نباتٍ مرتفع القيمة يصلح لكل قرية، وليس كل نباتٍ مشهور في بلدٍ آخر مناسبًا لواقعنا المحلي. والنجاح هنا يبدأ من حسن المطابقة بين النبات والبيئة.
ومن أعظم مزايا هذا النشاط أنه يسمح للقرية بأن تبدأ بمساحات صغيرة وتجارب محدودة، ثم توسعها إذا ثبتت جدواها. وهذا يجعل المخاطرة أقل، ويمنح المنتجين فرصة للتعلم والتقويم قبل التوسع. كما أن هذا المجال يُناسب إدخال النساء والشباب في حلقاته المختلفة، من الزراعة إلى الجمع إلى الفرز إلى التجفيف إلى التعبئة، فيتحول النشاط إلى اقتصادٍ محليٍ تشاركي لا يقتصر أثره على الحقل وحده.
غير أن الربح الحقيقي في النباتات الطبية والعطرية لا ينشأ من الزراعة وحدها، بل من سلسلة القيمة المحيطة بها. فالتجفيف المنضبط، والتنظيف الجيد، والفرز بحسب الجودة، والتعبئة النظيفة، والتخزين السليم، وربما الطحن أو الاستخلاص الأولي في بعض الحالات، كلها مراحل يمكن أن تضيف إلى المنتج قيمته، وأن تُبقي جزءًا أكبر من العائد داخل القرية. ولهذا فإن القرية التي تريد أن تنجح في هذا الباب لا ينبغي أن تنظر إلى النبات بوصفه محصولًا فقط، بل بوصفه بداية نشاطٍ اقتصاديٍ متكامل.
وهنا تظهر أهمية الانضباط والمعيار. فالسوق في هذا المجال—أكثر من غيره أحيانًا—لا يرحم التفاوت الكبير في الجودة. فإذا كان النبات مختلطًا بالشوائب، أو جُفف على نحوٍ سيئ، أو فقد جزءًا من خواصه بسبب سوء الحفظ، فإن قيمته تهبط سريعًا، وقد يفقد المشتري الثقة فيه من الأصل. ولذلك فإن النجاح في هذا النشاط ليس رهينًا بكثرة الأرض فقط، بل بدرجة الإتقان في كل مرحلة من مراحله.
كما أن من المهم ألا تُختزل النظرة إلى هذا المجال في فكرة “النبات الأغلى سعرًا”، لأن السعر المرتفع وحده لا يكفي. العبرة بما يمكن إنتاجه باستمرار، وبما يمكن تسويقه، وبما يمكن حفظ جودته، وبما ينسجم مع قدرات الناس. فكم من نشاطٍ يبدو براقًا في الحسابات النظرية ثم يتعثر حين يصطدم بالواقع، وكم من نشاطٍ متدرجٍ متواضعٍ في ظاهره يصبح، مع حسن التنظيم، بابًا ثابتًا من أبواب الدخل.
إن قرى النباتات الطبية والعطرية تقدم لنا درسًا مهمًا في النهضة القروية الذاتية، وهو أن القيمة ليست دائمًا في الاتساع، بل قد تكون في الإتقان. فقد تكون المساحة صغيرة، لكن العائد معتبر، إذا اجتمع حسن الاختيار، وصحة الزراعة، وجودة التجفيف، وانضباط التعبئة، ووضوح السوق.
ومن هنا فإن هذا المجال يمكن أن يكون مناسبًا جدًا لبعض القرى السودانية، خاصة تلك التي تحتاج إلى نشاطٍ زراعيٍ لا يرهقها في المساحة، ويمنحها في الوقت نفسه فرصة للدخول في مراحل من القيمة المضافة والتشغيل المحلي.
وفي المقال القادم ننتقل إلى نموذجٍ آخر من نماذج التخصص القروي، لا يقوم على الحقل وحده، بل على البيت والمهارة واليد المنتجة:
قرى الحرف والصناعات المنزلية… حين تتحول البيوت إلى ورشٍ صغيرة تخلق الدخل وتبني الاستقرار.