نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (5 من 26): اختيار المنتج المحوري… كيف نحدد نقطة الانطلاق بدقة؟

بهدوءٍ وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي

نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (5 من 26): اختيار المنتج المحوري… كيف نحدد نقطة الانطلاق بدقة؟

بعد أن بيّنا مبدأ التخصص بوصفه نقطة التحول الأولى في اقتصاد القرية، ثم أوضحنا كيف يمكن أن يتحول هذا التخصص إلى نواةٍ عمليةٍ تنمو وتتسع حتى تصبح هويةً اقتصادية، نصل الآن إلى الخطوة الأكثر حساسية في هذا المسار: اختيار المنتج المحوري الذي ستبني عليه القرية جهدها في المرحلة الأولى.
فليس كل ما هو متوفر يصلح أن يكون نقطة انطلاق، وليس كل نشاطٍ مألوفٍ قادرًا على قيادة تحولٍ حقيقي. والخطأ في هذه المرحلة لا يؤدي إلى بطءٍ فقط، بل قد يُهدر الجهد كله، لأن البناء إذا قام على اختيارٍ غير مناسب، فإن ما يُبنى عليه يظل ضعيفًا مهما بُذل فيه من عمل.
ومما ينبغي تأكيده أن توفر البيئة العامة المناسبة—من استقرار السياسات والبنية التحتية—يظل هو الإطار الأكمل لنجاح مثل هذه المبادرات، غير أن غياب هذا الإطار أو تأخره لا يمنع من اتخاذ قرارات داخلية رشيدة تُحسن استخدام الموارد المتاحة، وتُجنب الوقوع في اختياراتٍ خاطئة تُضاعف الخسارة بدل أن تُعالجها.
وأول معيار ينبغي النظر إليه هو وفرة المورد واستمراريته؛ فلا يصلح أن يُبنى النشاط المحوري على موردٍ نادرٍ أو موسميٍ محدودٍ لا يسمح بالتوسع، لأن ذلك يُربك التخطيط ويجعل العائد متذبذبًا.
أما المعيار الثاني فهو قابلية التحسين والتطوير؛ فبعض المنتجات تظل قيمتها محدودة مهما بُذل فيها من جهد، بينما يمكن لمنتجاتٍ أخرى أن تتحسن جودتها بصورةٍ ملحوظة من خلال خطوات بسيطة، كتحسين الفرز أو التعبئة أو المعالجة. وهذا الفارق هو الذي يصنع الفرق الحقيقي في العائد.
ويأتي المعيار الثالث وهو إمكانية إضافة قيمة دون تعقيد؛ فالمرحلة الأولى لا تحتمل الدخول في صناعات معقدة أو استثمارات كبيرة، وإنما تحتاج إلى نشاطٍ يسمح بإدخال تحسينات تدريجية ترفع العائد دون أن تُثقل كاهل المنتجين.
وهنا يقع خطأٌ بالغ الأثر، وهو تقييم الجدوى الاقتصادية بالأرقام الظاهرة فقط دون النظر إلى قيمتها الحقيقية. فمع تغير قيمة العملة وارتفاع التكاليف، قد يبدو النشاط رابحًا، بينما هو في الواقع يستهلك رأس المال تدريجيًا دون أن يُلاحظ ذلك. ولذلك فإن النظر—ولو بصورة تقريبية—إلى التكاليف والعوائد بمرجعٍ أكثر ثباتًا، كقيمة الذهب أو العملات المستقرة، يُعين على اختيار النشاط الصحيح، ويمنع الوقوع في وهم الربح.
أما المعيار الرابع فهو وضوح السوق؛ إذ لا يكفي أن يكون المنتج جيدًا، بل يجب أن يكون له طلب حقيقي، وأن توجد قنوات بيع يمكن الوصول إليها. فالإنتاج بلا سوقٍ منظم يتحول إلى عبءٍ بدل أن يكون مصدر دخل.
كما ينبغي أن يتم هذا الاختيار في إطار تشاورٍ جماعيٍ منظم، لا بقرارٍ فردي، حتى يتحمل الجميع مسؤوليته، وتتجه الجهود في مسارٍ واحد. ويمكن أن يُحدد لهذا الاختيار فترة تجريبية محدودة تُقاس فيها النتائج بالأرقام، ثم يُبنى القرار على ما يظهر من واقعٍ لا على توقعاتٍ مجردة.
إن القرية التي تُحسن اختيار منتجها المحوري تكون قد قطعت نصف الطريق، لأن وضوح نقطة الانطلاق يُوفر الجهد، ويمنع التشتت، ويُهيئ لبقية خطوات البناء.
فليس المهم أن نبدأ بأي شيء، بل أن نبدأ بالشيء الصحيح.
ومن هنا يبدأ الانتقال من العمل العشوائي إلى العمل المقصود، ومن الجهد المتفرق إلى المسار المنظم.
وفي المقال القادم ننتقل إلى الخطوة التالية مباشرة: كيف نُضيف قيمة إلى هذا المنتج المختار، بحيث لا يخرج من القرية خامًا، بل يتحول إلى مصدر ربحٍ متزايد؟