بين سلطة الاتهام وحرية النشر: إلى أين تمضي قضية هاجر سليمان؟

بين سلطة الاتهام وحرية النشر: إلى أين تمضي قضية هاجر سليمان؟
بقلم : محيي الدين شجر
تتجاوز قضية اعتقال الصحافية الأستاذة هاجر سليمان حدود واقعة قانونية عابرة، لتتحول إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بين سلطة الاتهام وحرية الصحافة في السودان. فالقضية، في جوهرها، لا تتعلق فقط بمقالات نُشرت أو ببلاغات فُتحت، بل بالسؤال الأعمق: كيف تُدار العدالة عندما تكون هي ذاتها موضوعًا للنقد؟
بحسب الوقائع المتداولة، نشرت الأستاذة هاجر سلسلة مقالات تناولت فيها ما وصفته بملفات فساد داخل نيابة دنقلا، متهمةً عددًا من أعضاء النيابة بالولاية الشمالية بارتكاب تجاوزات قانونية وإدارية في التعامل مع بعض البلاغات. وفي أعقاب ذلك، تحركت إجراءات قانونية ضدها بموجب المادتين (24 و25) من قانون جرائم المعلوماتية، إلى جانب المادة (115) من القانون الجنائي، مع إصدار توجيهات بالقبض عليها والتحفظ على هواتفها.
من حيث النص، قد يبدو أن ثمة سندًا قانونيًا يبرر فتح البلاغ، إذ إن هذه المواد تُستخدم في تجريم النشر الإلكتروني الضار أو الكاذب، وكذلك في حماية السمعة من الإشانة. غير أن العدالة لا تُقاس فقط بوجود النص، بل بكيفية تطبيقه، ومدى اتساق ذلك مع روح القانون ومقاصده.
أول ما يلفت الانتباه في هذه القضية هو مسألة الحياد. فالشاكي كما تردد هو وكيل نيابة، والتصديق على الدعوى تم داخل ذات المنظومة العدلية، وهو أمر— إن كان جائزًا من حيث النص في القانون السوداني —يثير تساؤلات مشروعة حول تعارض المصالح. ففي القضايا التي يكون فيها الجهاز العدلي طرفًا، يصبح من الأجدر، حفاظًا على الثقة العامة، إسناد النظر فيها إلى جهة أكثر استقلالًا، حتى لا يبدو أن الخصم هو ذاته الحكم.
أما من حيث طبيعة الفعل محل الاتهام، فإن الكتابة حول شبهات فساد داخل مؤسسة عدلية تندرج في صميم الدور الرقابي للصحافة. وهنا يبرز التحدي الكلاسيكي: متى يتحول النشر من حق مشروع إلى فعل مجرّم؟ الإجابة لا تكمن في النشر ذاته، بل في نية الناشر، ومدى استناده إلى وقائع يمكن التحقق منها. فإذا كان النشر قد تم بحسن نية وبغرض خدمة المصلحة العامة، فإن تجريمه يثير مخاوف حقيقية بشأن تضييق مساحة التعبير.
ولعل ما يعزز هذه المخاوف هو اللجوء المباشر إلى القانون الجنائي، بدلًا من إتاحة المجال لمعالجات أقل حدّة، كالدعاوى المدنية في قضايا النشر. فالاتجاهات القانونية الحديثة تميل إلى تقليص استخدام العقوبات السالبة للحرية في مثل هذه القضايا، لما لها من أثر مباشر على حرية الصحافة.
وفي السياق ذاته، تطرح إجراءات القبض والتحفظ على الأجهزة تساؤلًا حول مدى التناسب. فهل كانت هذه التدابير ضرورية في هذه المرحلة؟ أم أن الاستدعاء والتحقيق كان يمكن أن يحققا الغرض دون المساس بالحرية الشخصية؟ إن الإفراط في استخدام مثل هذه الإجراءات، خاصة في قضايا الرأي، قد يُفهم كرسالة تتجاوز الواقعة محل النزاع.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال الجانب الآخر من المعادلة. فحماية السمعة حق مشروع، والنشر غير المسؤول قد يلحق ضررًا بالغًا بالأفراد والمؤسسات. ومن هنا، فإن الاحتكام إلى القانون يظل حقًا مكفولًا، شريطة أن يتم ذلك في إطار من العدالة والشفافية.
في المحصلة، تقف هذه القضية عند مفترق طرق بين مسارين: مسار يُعلي من شأن حرية الصحافة باعتبارها أداة للمساءلة وكشف الفساد، ومسار يغلّب الحماية الجنائية للسمعة. والتحدي الحقيقي ليس في اختيار أحدهما على حساب الآخر، بل في تحقيق التوازن بينهما.
فالعدالة، لكي تُقنع، لا يكفي أن تُطبَّق، بل يجب أن تُرى كذلك. والصحافة، لكي تقوم بدورها، تحتاج إلى بيئة لا تُصادر حقها في السؤال. وبين هذا وذاك، تبقى الثقة في المؤسسات هي الرهان الأكبر