قراءة قانونية هادئة في مزاعم “اختطاف جمعية الهلال الأحمر ”

قراءة قانونية هادئة في مزاعم “اختطاف الجمعية”
بقلم: محيي الدين شجر
لفت نظري مقال للمهندس أحمد بابكر بعنوان: “قانون مرتبك وصلاحيات محتكرة… هل بدأ اختطاف الجمعية؟”، والذي تناول فيه جمعية الهلال الأحمر السوداني.
وبحكم تخصصي القانوني كخريج كلية الشريعة والقانون، فإنني أولي اهتمامًا خاصًا بالمقالات ذات الطابع القانوني، لما تمثله من إثراء للساحة الإعلامية والقانونية، وذلك في إطار قراءة موضوعية للنصوص وروحها التشريعية.
وقبل الولوج إلى مناقشة المسائل القانونية التي طرحها الكاتب، لا بد من التوقف عند تساؤله المحوري: هل بدأ اختطاف الجمعية؟
وهنا يبرز سؤال مضاد: من الذي يسعى لاختطاف الجمعية؟ وكيف يمكن أن يحدث ذلك؟ وهل القائمون على إدارتها اليوم باقون فيها إلى الأبد؟
فمفهوم “الاختطاف” يعني السيطرة الدائمة، وهو أمر لا يستقيم مع طبيعة المؤسسات التي تقوم على التداول والتغيير.
ما يجري حاليًا من تعديلات وتشريعات لا يهدف إلى السيطرة، بل إلى تنظيم العمل وترتيبه، بما يواكب ما هو معمول به في الدول المتقدمة التي تضع أطرًا قانونية تحفظ للمؤسسات مكانتها، وتضمن الاحترام لقياداتها من أعلى مستويات الدولة. وعليه، فإن الحديث عن “اختطاف” يبدو توصيفًا غير دقيق، بل أقرب إلى قراءة خارج سياق الواقع.
أولاً: بشأن المادة (44) وسلطة تعديل النظام الأساسي
يرى خبراء قانونيون أن ما ورد في المقال حول “تغول” المادة (44) على صلاحيات الجمعية العمومية يقوم على خلط بين مرحلتين مختلفتين:
إجازة النظام الأساسي ابتداءً: وهي من اختصاص الجمعية العمومية (الهيئة العامة).
تعديل النظام الأساسي لاحقًا: وهو ما نظمته المادة (44) عبر آلية مشددة تتطلب أغلبية الثلثين داخل اللجنة المركزية، مع إخضاع التعديلات لمراجعة خارجية عبر الإيداع لدى الجهات الدولية المختصة.
وبحسب هذه القراءة، فإن النص لا ينتقص من صلاحيات الجمعية العمومية، بل يضع قيودًا صارمة على التعديل، بما يضمن الاستقرار المؤسسي ويمنع التغييرات المتسرعة.
ثانياً: بشأن تنظيم اجتماعات اللجنة المركزية
يؤكد مختصون في التشريع أن عدم النص صراحة على مواعيد انعقاد اللجنة المركزية داخل القانون لا يُعد فراغًا تشريعيًا، بل هو إحالة مقصودة إلى النظام الأساسي الذي يتولى تفصيل الإجراءات.
ويستند هذا الرأي إلى أن:
مجلس الإدارة جهاز تنفيذي يومي، لذا حُددت اجتماعاته في القانون لضمان انتظام العمل.
اللجنة المركزية هيئة إشرافية، وتحتاج إلى مرونة في تحديد اجتماعاتها وفق طبيعة العمل واتساعه الجغرافي.
وعليه، فإن هذا التنظيم يعكس تمييزًا وظيفيًا بين المستويات المختلفة، وليس إهمالًا أو نقصًا في الضبط.
ثالثاً: بشأن ما وُصف بـ“الانتقائية” في الصياغة
يرى الخبراء أن اختلاف تنظيم الاجتماعات والصلاحيات بين الأجهزة المختلفة يتسق مع النماذج المؤسسية الحديثة، حيث:
تُنظم التفاصيل التشغيلية في القانون بالنسبة للأجهزة التنفيذية،
بينما تُترك بعض الجوانب للأطر الداخلية (النظام الأساسي) لضمان المرونة.
وبالتالي، فإن وصف هذا النهج بـ“الانتقائية” لا يعكس بدقة الفلسفة التشريعية القائمة على التدرج والتخصص.
رابعاً: بشأن اتهامات “الترهل” و“اختطاف الجمعية”
تشير آراء قانونية إلى أن التوسع في مواد القانون مقارنة بالقوانين السابقة لا يُعد ترهلًا، بل يمثل تطورًا تشريعيًا طبيعيًا لمواكبة قضايا حديثة، من بينها:
تعزيز الشفافية والمساءلة
تنظيم الموارد والأوقاف
حماية المتطوعين
ضبط العمل المؤسسي
كما أن توزيع الصلاحيات بين الهيئة العامة، واللجنة المركزية، ومجلس الإدارة يعكس نموذجًا متوازنًا يمنع تركيز السلطة، ولا يدعم فرضية “اختطاف الجمعية”.
خامساً: نحو نقاش مهني بنّاء
يشدد المختصون على أن تقييم أي قانون يجب أن يتم عبر:
قراءة متكاملة للنصوص
فهم السياق المؤسسي والتشريعي
تقديم بدائل ومقترحات واضحة
فالنقاش القانوني الرصين هو الذي يسهم في التطوير، بعيدًا عن التوصيفات العامة التي قد تُفهم كأحكام مسبقة.

بناءً على ما تقدم، يرى خبراء قانونيون أن مشروع قانون 2026 — رغم قابليته للتطوير — لا يحمل في جوهره ما يشير إلى اختطاف المؤسسة أو إضعافها، بل يسعى إلى تعزيز الحوكمة وضبط العمل المؤسسي وفق معايير حديثة.
ويبقى الباب مفتوحًا أمام كل رأي موضوعي يسهم في تحسين النصوص، في إطار من المسؤولية المهنية والحوار البنّاء.