خطاب ضائع وشهر عسل طويل… هكذا تُدار مفوضية العون الإنساني!( 1)

 

خطاب ضائع وشهر عسل طويل… هكذا تُدار مفوضية العون الإنساني!( 1)
بقلم: محيي الدين شجر
قبل أكثر من شهرين، تواصلنا كرابطة للصحفيين السودانيين مع مفوضية العون الإنساني عبر مسؤول الإعلام بالمفوضية غازي، ومن بعده مع مدير مكتب المفوض بدر الدين، لطلب سلال رمضانية لعدد من الصحفيين النازحين في بورتسودان، وهم زملاء فقدوا منازلهم ومصادر دخلهم بسبب الحرب.
في البداية طُلب منا ألا يتجاوز العدد 25 صحفياً، ثم طلب خطاب رسمي بورق مروّس، فقمنا بإعداده وتسليمه. وبعد فترة من الانتظار أخبرنا غازي مشكورا أن الخطاب وصل بالفعل إلى مدير مكتب المفوض بدر الدين.
لاحقاً، تواصلنا مع بدر الدين، وظل يقول إن المخازن تستقبل حالياً شحنة تركية-قطرية ولا يمكن تسليم المواد الغذائية. وبعد أكثر من أسبوعين، قال لنا إنه سيرتب لنا المواد الغذائية، غير أنه سافر إلى عطبرة وذكر أنه بعد عودته إلى بورتسودان سيقوم بالإجراء. وبعد عودته… نُسي الخطاب وانشغل باتمام مراسم زواجه.
لا مشكلة في الحياة الخاصة، فلكل شخص حقه، لكن المشكلة بدأت عندما انتهى الزواج وسافر بدر الدين خارج السودان، تاركاً خطابنا في مكان مجهول، بمنتهى الإهمال.
تواصلنا معه أيضاً لطلب تحديد موعد لمقابلة المفوض لمناقشة قضايا الصحفيين النازحين مباشرة، لكنه استمر في التحجج ولم يحدد موعداً، مع علمنا بأن المفوض تحترم الإعلام ولا تمانع في الجلوس مع الإعلاميين.
واحدة من حججه كانت: الطلبات الفردية تؤجل ولا يستعجل في التصديق عليها، مع علمنا بأنه يصدق طلبات فردية وبعدد أكبر من الذي طلبنا. وطلبنا ليس فرديا..
تواصلت معه وهو خارج البلاد، فقال إنه سيتواصل مع سكرتير مكتب مفوض العون الإنساني، محمد أحمد حمودي، لكن ذلك لم يحدث. وعندما تواصلت أنا مع السكرتير ، أكد أن بدر الدين لم يتواصل معه أصلاً.
استمر التواصل والوعود، ثم جاء الرد الصادم: سيبحث عن الخطاب في مكتب بدر الدين. وبعد أيام من الانتظار جاءنا الرد الأكثر صدمة: الخطاب غير موجود!
بهذه البساطة ضاع خطاب رسمي يخص صحفيين نازحين. وهنا يحق لنا أن نتساءل: كيف تُدار مؤسسة يفترض أنها مسؤولة عن أوضاع ملايين النازحين، إذا كان خطاب بسيط لا يجد طريقه داخل مكاتبها؟
استمر التواصل مع سكرتير المكتب حتى عاد بدر الدين من شهر العسل إلى السودان. استأنفنا التواصل معه مجدداً، وطلب كتابة خطاب جديد، وبالفعل سلمته له الأستاذة ابتسام الشيخ، الأمين العام للرابطة، لكن التأخيرات والأعذار استمرت..

في آخر رسالة أرسلتها له، قلت بوضوح: من أبسط واجبات المسؤول أن يرد على الرسائل، وعدم الرد سلوك غير مقبول من شخص يشغل موقعاً عاماً. وكان يمكن ببساطة أن يقول منذ البداية: لا توجد سلال رمضانية للصحفيين، وكنا سنوفر على أنفسنا وعلى وقتكم هذا العبث الطويل.
المشكلة ليست في السلال الرمضانية فقط، بل في الطريقة التي يتعامل بها المدير التنفيذي المدعو بدر الدين مع الصحفيين. فالمواد الغذائية، التي هي حق للنازحين، غالباً ما تُمنح ضمن ترتيبات غير واضحة ومعايير غير منتظمة، كتغطيات صحفية مثلا بدلاً من أن تكون دعمًا إنسانياً ثابتاً ومستحقاً.
أي أن هذا النهج قد يحوّل الدعم الإنساني إلى مقابل غير مباشر للتغطية الإعلامية، وهو شكل من أشكال التعامل غير العادل، الذي يسيء إلى العمل الإنساني قبل أن يسيء إلى الصحافة.
الأدهى من ذلك أننا لا نكاد نرى دوراً واضحاً للمفوضية تجاه الصحفيين النازحين في بورتسودان، رغم الظروف القاسية التي يعيشونها.
المؤسسة التي تتعامل مع قضايا إنسانية بهذا الحجم تحتاج إلى مسؤولين يدركون قيمة الوقت، ويحترمون الناس، ويتعاملون مع الملفات بجدية ومسؤولية. ولا يضيعون الخطابات وعلى المفوضية أن تراجع الوضع، وتضع معايير شفافة لإدارة مكتبها وضمان وصول الدعم المستحق للصحفيين والنازحين.
فالعمل الإنساني ليس مجالاً للمجاملات، ولا ساحة للفوضى الإدارية… بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وظيفة.
كل من يتولى منصب يظن أن المنصب ضيعة خاصة به.. وهذا سبب توهان البلاد في أزمات متتالية

في المقال المقبل نتحدث عن كيف تستغل المفوضية الصحفيين النازحين؟