“بأيّةِ حالٍ تعود يا عيد؟”: وئام الهادي
العيد في السودان… بين رائحة الكعك وذكريات الفقد
بقلم : وئام الهادي
في السودان، لا يأتي العيد مجرد يومٍ عابر في التقويم، بل هو حكاية ممتدة من الذكريات والمشاعر.
هو صباحٌ يشبه الطفولة، ورائحة كعكٍ تخرج من البيوت القديمة، وضحكات تختلط أحيانًا بدموعٍ خفية.
قبل العيد بأيام، تبدأ البيوت السودانية في الاستعداد بطريقتها الخاصة.
الأمهات والجدات يجتمعن حول الطاولات، والدقيق يتناثر في الأيدي، بينما تتشكل قطع الكعك والبسكويت كأنها طقوس متوارثة لا يمكن التخلي عنها.
رائحة الخبيز تمتلئ بها البيوت والأحياء، وتصبح الشوارع نفسها كأنها تشارك الناس فرحتهم.
لكن العيد في السودان ليس دائمًا فرحًا خالصًا.
في كثير من البيوت، هناك مقاعد فارغة…
أشخاص كانوا يجلسون حول المائدة في الأعياد الماضية، يضحكون ويمازحون الأطفال، لكنهم اليوم غابوا.
يبقى أثرهم حاضرًا في كل تفصيلة: في كوب الشاي الذي كانوا يفضلونه، في دعابة كانوا يكررونها، وفي دعاءٍ يخرج من القلب لهم بالرحمة.
ثم تأتي حكاية أخرى من حكايات هذا البلد…
حكاية النزوح والعودة.
هناك أسر تستقبل العيد بعيدًا عن بيوتها التي اعتادت فيها الفرح.
في مدن أخرى أو أماكن مؤقتة، يحاولون صنع العيد بما توفر لديهم.
ربما لا يكون الكعك كما كان، وربما لا تكون الزينة كما في الماضي، لكن الروح نفسها تبقى: روح الصبر، وروح الأمل بأن تعود الأيام الجميلة.
وبين النزوح والحنين، يبقى حلم العودة حاضرًا في قلوب الكثيرين.
عودة إلى البيوت القديمة، إلى الجيران الذين كانوا يتبادلون الصحون في العيد، وإلى الأحياء التي كانت تمتلئ بضحكات الأطفال وهم يرتدون ملابسهم الجديدة.
العيد في السودان ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو مرآة لحياة الناس.
فيه الفرح، وفيه الحنين، وفيه الحزن أحيانًا… لكنه دائمًا يحمل شيئًا واحدًا لا يتغير: الأمل.
فالسودانيون، مهما اشتدت بهم الظروف، يعرفون كيف يصنعون العيد.
حتى لو كان بكعكةٍ بسيطة، أو بضحكةٍ صغيرة، أو بدعاءٍ صادق يخرج من القلب.
لأن العيد في النهاية ليس فقط ما نأكله أو نلبسه…
بل هو ما نشعر به حين نجتمع، أو حين نتذكر، أو حتى حين ننتظر من نحب أن يعود.