رسوم تدريب عملي وسريري  باهظة لطلاب صيدلة أفريقيا بجامعة كرري… هل أصبح التعليم تجارة؟

رسوم تدريب عملي وسريري  باهظة لطلاب صيدلة أفريقيا بجامعة كرري… هل أصبح التعليم تجارة؟
بقلم: محيي الدين شجر
في بلدٍ أنهكته الحرب، وتكاثرت فيه جراح الناس، كان المتوقع أن تتسابق المؤسسات التعليمية إلى تخفيف الأعباء عن الطلاب، لا أن تضيف إلى معاناتهم عبئًا جديدًا. لكن ما يحدث اليوم يكشف واقعًا مؤلمًا، حيث تحولت بعض الجامعات إلى ما يشبه أسواق الرسوم المفتوحة التي لا تعرف سقفًا ولا تراعي ظروف الطلاب.
فقد تفاجأ طلاب كلية الصيدلة بجامعة أفريقيا العالمية بفرض رسوم باهظة للتدريب العملي والسريري في كلية الصيدلة بجامعة كرري، بلغت 225 ألف جنيه للتدريب العملي و100 ألف جنيه للتدريب السريري، وهو رقم اعتبره الطلاب وأولياء أمورهم صادمًا ولا يتناسب إطلاقًا مع الظروف القاسية التي يمر بها الطلاب وأسرهم في ظل الحرب والانهيار الاقتصادي.
ووفق توضيح عميد كلية الصيدلة المكلف بجامعة أفريقيا العالمية، البروفيسور طارق الهدية، فإن الطلاب يتحملون كامل تكلفة التدريب العملي والسريري، وأن الرسوم فرضتها إدارة الصيدلة بجامعة كرري. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس من فرض الرسوم، بل كيف وصلت الجامعات السودانية إلى مرحلة يُثقل فيها الطالب بكل هذه التكاليف دون أدنى اعتبار لظروفه؟
فالطالب اليوم لا يواجه فقط رسوم التدريب، بل يقف أمام سلسلة طويلة من الالتزامات:
رسوم دراسية، وتكاليف السكن بالقرب من الجامعة بمحلية كرري، ومصاريف المعيشة، والنقل، والكتب، وغيرها من الأعباء التي باتت تشكل ضغطًا هائلًا على أسر أنهكتها الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل.
وما يزيد من مرارة المشهد أن بعض الجامعات التي لم تتأثر بالحرب بشكل مباشر تبدو وكأنها وجدت في أزمة الجامعات المتضررة فرصة لفرض رسوم مرتفعة مقابل السماح لطلاب تلك الجامعات باستخدام مبانيها أو مرافقها. وهو سلوك يراه كثيرون استغلالًا لظروف استثنائية يمر بها طلاب السودان.
إن التعليم في أوقات الأزمات يجب أن يكون مساحة للتكافل الوطني لا ساحة للمنافسة المالية. فالجامعات ليست شركات تجارية تبحث عن تعظيم الأرباح، بل مؤسسات يفترض أن تحمل رسالة علمية وأخلاقية قبل أي شيء آخر.
والأخطر من ذلك أن استمرار هذا النهج قد يدفع كثيرًا من الطلاب إلى تعطيل دراستهم أو تركها بالكامل، ليس بسبب ضعفهم الأكاديمي، بل لأنهم ببساطة غير قادرين على دفع الرسوم. وهنا تتحول الأزمة من مشكلة مالية إلى خسارة وطنية حقيقية حين يفقد السودان كوادره العلمية بسبب قرارات إدارية لا تراعي الواقع.
إن ما يحتاجه السودان اليوم هو تدخل واضح من وزارة التعليم العالي لوضع ضوابط عادلة لرسوم التدريب بين الجامعات، بما يضمن استمرار العملية التعليمية دون تحميل الطلاب فوق طاقتهم.
ففي زمن الحرب، لا ينبغي أن تتحول قاعات التدريب إلى بوابات جباية، ولا أن يصبح الطالب ضحية جديدة لأزمة لم يكن طرفًا فيها.
وإذا كانت الحرب قد فرّقت الجامعات جغرافيًا، فإن الواجب الوطني يقتضي أن تجمعها المسؤولية تجاه الطلاب، لا أن تتحول معاناتهم إلى فاتورة جديدة تُضاف إلى قائمة طويلة من الأوجاع.