لا لابتزاز تجار البترول… الوقود أمن قومي قبل أن يكون تجارة
لا لابتزاز تجار البترول… الوقود أمن قومي قبل أن يكون تجارة/ بقلم محيي الدين شجر
في كل مرة تشتد فيها الأزمات الاقتصادية في السودان، يخرج بعض تجار الوقود والجهات المرتبطة بهم بحملة إعلامية منظمة تدعو إلى توسيع دور القطاع الخاص في استيراد المواد البترولية، وكأن المشكلة تكمن في وجود الحكومة في هذا الملف. غير أن التجربة السودانية نفسها تقول عكس ذلك تمامًا.
الوقود ليس سلعة عادية تُترك بالكامل لقانون الربح والخسارة، بل هو عصب الحياة الاقتصادية؛ فبه تتحرك وسائل النقل، وتعمل المصانع، وتُضخ المياه، ويصل الغذاء إلى الأسواق. ولذلك فإن ترك استيراده بالكامل للقطاع الخاص، في واقع اقتصادي هش مثل الواقع السوداني، يعني عمليًا وضع مفاتيح الاقتصاد في يد مجموعة من التجار الذين تحكمهم قاعدة واحدة: تعظيم الأرباح.
ما حدث في السنوات الماضية يكشف بوضوح طبيعة هذا السلوك. ففي كل أزمة أو نقص في الإمدادات، تتحول بعض الشركات إلى لاعب في السوق لا مجرد مزود للسلعة؛ إذ تُستغل الأزمات لرفع الأسعار أو خلق ضغوط على الحكومة لتعديل السياسات بما يخدم مصالحها. واليوم يتكرر المشهد نفسه عبر حملة إعلامية واضحة الهدف: الضغط على وزارة الطاقة لزيادة حصة القطاع الخاص من استيراد الوقود، والتي حُددت حاليًا بنسبة 50%.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل أثبت القطاع الخاص في السودان أنه شريك مسؤول يضع مصلحة المواطن قبل الربح؟
الإجابة التي يعرفها المواطن جيدًا هي: لا.
فالتجارب المتكررة أظهرت أن بعض التجار يتعاملون مع الوقود باعتباره ورقة ضغط يمكن استخدامها للي ذراع الدولة، سواء عبر المضاربة في الأسعار أو عبر توظيف بعض الأقلام الصحفية لخلق رأي عام مصطنع يبرر زيادة نفوذهم في هذا القطاع الحساس.
إن الدولة ليست مطالبة بتسليم هذا الملف الحيوي لمنطق السوق وحده، بل عليها أن تحافظ على دورها القيادي في استيراد وتوفير الوقود، لأن ذلك ليس مجرد نشاط تجاري، بل مسألة سيادة وأمن اقتصادي. فحين تكون الحكومة لاعبًا رئيسيًا في الاستيراد، تستطيع أن تضبط الأسعار، وتمنع الاحتكار، وتضمن توفر الإمدادات في الظروف الحرجة.
ولا يعني ذلك إقصاء القطاع الخاص تمامًا، بل وضعه في إطار منظم ومحكوم برقابة صارمة، بحيث يكون شريكًا في الخدمة لا متحكمًا في السوق. أما ترك المجال له ليتوسع بلا ضوابط تحت ضغط الحملات الإعلامية، فسيؤدي في النهاية إلى وضع المواطن تحت رحمة المضاربات.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الحكومة والقطاع الخاص، بل بين مصلحة المواطن ومنطق الجشع التجاري. ولذلك فإن أي تراجع عن الدور الحكومي في استيراد الوقود، تحت ضغط الحملات المنظمة، سيكون ثمنه باهظًا يدفعه المواطن البسيط قبل غيره.
ولهذا، فإن المطلوب من الحكومة ليس التراجع، بل تعزيز حضورها في هذا القطاع الاستراتيجي، وإرسال رسالة واضحة مفادها أن الوقود في السودان لن يكون أداة للمساومة أو الضغط، بل خدمة أساسية تُدار بما يحفظ استقرار الاقتصاد ويحمي المواطن.