🔴 بين بقاء كامل إدريس وآمال السودانيين في حكومة تنهض من ركام الحرب مسارب الضي | د. محمد تبيدي

 

وعلى حد قولي:
إذا ضاق دربُ الناسِ يوماً بليلِهِ
أضاءتْ خطى الأوطانِ دربَ الرجاءِ
فإن ضاعتِ الأصواتُ في صخبِ الهوى
تبقى الحقيقةُ في جزاء السماءِ

لم تكن الأيام الماضية عادية في المشهد السياسي السوداني، خصوصاً وان قرار إعفاء رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس كان مطروحاً على الطاولة، في لحظة سياسية معقدة يعيشها الوطن. غير أن التطورات التي شهدتها الساحة، وعلى رأسها إعفاء الدكتورة لمياء عبدالغفار، وما تبعه من تغييرات طالت عدداً من المستشارين والمعاونين، بدت وكأنها أعادت ترتيب المشهد ومنحت رئيس الوزراء فرصة جديدة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أوراق حكومته.
هذه اللحظة ليست مجرد تعديل إداري عابر، بل هي منعطف حقيقي أمام حكومة الأمل. فالسودانيون الذين أنهكتهم الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية لا ينتظرون تغيير الأسماء بقدر ما ينتظرون تغيير الأداء والنتائج. وقد أصابت الحكومة في بعض الملفات، لكنها تعثرت في ملفات أخرى لا تقل أهمية، وهو ما جعل المزاج العام يتأرجح بين التفاؤل الحذر والقلق المشروع.
إن بقاء رئيس الوزراء في موقعه بعد هذه التغييرات يضع أمامه مسؤولية تاريخية، تبدأ بالنظر الجاد في معاش الناس، وهو التحدي الأكبر الذي يواجه أي حكومة في هذه المرحلة. فالمواطن السوداني اليوم يريد دواءً متوفراً في المستشفى، وتعليماً مستقراً لأبنائه، ورعاية حقيقية للمتقاعدين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الدولة، قبل أن يريد خطابات سياسية أو وعوداً بعيدة المدى.
كما أن المرحلة تتطلب اهتماماً خاصاً بالمجالات التي تحفظ روح الأمة وهويتها، مثل الفكر والثقافة والتراث والفنون. فالأمم لا تُبنى فقط بالاقتصاد والسياسة، بل أيضاً بالثقافة التي تعيد للناس ثقتهم بأنفسهم وبمستقبلهم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء صندوق قومي للمتضررين من الحرب، يهدف إلى تضميد الجراح وإعادة بناء ما دمرته سنوات الصراع.
وإذا كان لا بد من الحديث عن المستقبل، فإن البلاد في حاجة إلى خطة واضحة لإعادة الإعمار، تقوم على عدة مرتكزات أساسية:
أولها إعادة بناء البنية التحتية التي تضررت بفعل الحرب، من طرق وجسور ومرافق خدمية.
ثانيها إطلاق برامج إنتاجية واسعة في الزراعة والصناعة، بما يعيد السودان إلى موقعه الطبيعي كبلد قادر على إنتاج الغذاء وتوفير فرص العمل.
أما المرتكز الثالث فيتمثل في معالجة آثار الحرب الاجتماعية، عبر نبذ خطاب الكراهية ورتق النسيج الاجتماعي الذي تمزق في كثير من المناطق. فالسودان لن ينهض إلا إذا عاد أبناؤه إلى التعايش والتسامح، مع تحقيق العدالة والقصاص لكل صاحب حق، واسترداد الحقوق التي انتهكت خلال هذه الحرب، أياً كان مرتكبوها، حتى وإن ادعى بعضهم الانتماء إلى مؤسسات الدولة.
وفي إطار إعادة البناء، يصبح توفير فرص العمل للشباب ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. فالشباب الذين عاشوا سنوات الحرب يجب أن يجدوا طريقهم إلى الإنتاج والتنمية، لا أن يظلوا أسرى البطالة والإحباط. ويمكن أن يتم ذلك عبر برامج دمج اقتصادي وإنتاجي، تمنح أولوية لمن شاركوا في الدفاع عن الوطن بنسبة معتبرة (وهنا الشكر الجزيل للسيد رئيس مجلس السيادة الإنتقالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان القائد العام للقوات بأن بجعل فترة استنفار الشباب خدمة وطنية) ومع توزيع الفرص بعدالة على بقية الشباب حتى يشعر الجميع بأنهم شركاء في المستقبل.
وفي المقابل، يلاحظ المواطنون التحركات المتصاعدة لوزارة الداخلية في فرض هيبة الدولة وتعزيز الأمن ومكافحة الجريمة. وهي جهود تستحق الإشادة، لأنها تعيد الثقة في مؤسسات الدولة وتمنح المواطن شعوراً متزايداً بالأمان. غير أن هذا النجاح الأمني يجب أن يوازيه انضباط إداري صارم داخل أجهزة الحكم، بحيث لا يبقى في موقعه أي وزير أو والي غارق في روتين السلطة أو بعيد عن أهداف الخدمة العامة.
إن حكومة الأمل لا يمكن أن تحقق ما يرجوه الناس إلا إذا اعتمدت معيار الكفاءة الوطنية الخالصة في الاختيار. فالمرحلة تحتاج إلى رجال دولة حقيقيين، يعينون بعضهم بعضاً كما كان هارون عوناً لأخيه موسى، يشدون الأزر ويقوّون المسيرة، بعيداً عن نزعات التسلط أو حسابات الشلل والسماسرة في سوق السياسة.
كما أن الإصلاح الاقتصادي يجب أن ينطلق من الإنتاج الحقيقي، مع تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار وضبط الجبايات غير المقننة التي أصبحت عبئاً ثقيلاً على المواطن والتاجر والمنتج، خاصة تلك التي تتسرب إلى جيوب الأفراد بدلاً من أن تدخل خزائن الدولة.
السودان اليوم يقف على عتبة مرحلة جديدة، مرحلة تتطلب شجاعة القرار وصدق الإرادة. وإذا أحسنت حكومة الأمل الاختيار، وأعادت ترتيب أولوياتها وفق حاجات الناس الحقيقية، فإن فرصة النهوض لا تزال ممكنة رغم كل ما خلفته الحرب من دمار وأوجاع.

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة