رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (19 من 29): الزكاة… اقتصاد الرحمة

بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي

رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (19 من 29): الزكاة… اقتصاد الرحمة

ليست الزكاة صدقة عاطفية تُمنح في لحظة تأثر، بل نظام مالي أخلاقي يعيد توزيع الخير بروح الرحمة. فهي ليست منحة من غني إلى فقير، بل حق ثابت جعله الله في المال.
قال تعالى:
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾.
وقد فهم العلماء من هذه الآية أن في المال حقًا واجبًا للفقراء والمحتاجين، سواء كان ذلك هو الزكاة المفروضة أو ما يتبعها من حقوق البر. فالمال في التصور القرآني ليس ملكية مطلقة، بل مسؤولية مرتبطة بحقوق الآخرين.
وقال تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.
قال ابن كثير: أي تطهرهم من الذنوب وتزكي نفوسهم من الشح والبخل.
وذكر ابن عاشور أن الزكاة ليست مجرد نقل مال من يد إلى يد، بل نظام يحقق تطهير النفس وتنمية روح التضامن في المجتمع.
ولهذا كانت الزكاة ركنًا من أركان الإسلام، لا عملًا ثانويًا يُترك للاجتهاد الشخصي.
فالزكاة تعلن أن المال أمانة، وأن الثراء ليس امتيازًا فرديًا فحسب، بل مسؤولية اجتماعية. ومن هنا يتحول الاقتصاد من سباق فردي إلى شبكة تكافل.
وقد أدركت النظريات الاقتصادية الحديثة أهمية إعادة التوزيع في تحقيق الاستقرار المجتمعي. لكن الزكاة تختلف عن الضرائب المجردة؛ لأنها تقوم على دافع إيماني قبل أن تكون إجراءً إداريًا.
وفي رمضان يتضاعف حضور هذا المعنى. تكثر الصدقات، ويكثر العطاء، ويشعر الإنسان بقيمة أن يخفف عن غيره. غير أن المقصود أعمق من لحظة موسمية؛ المقصود وعي دائم بأن الرزق ليس اختبار قدرة فقط، بل اختبار أمانة.
ومن لطائف التعبير القرآني أن الزكاة مشتقة من الزكاء، أي النماء والزيادة. فكأن العطاء لا ينقص المال، بل ينميه. وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله:
«ما نقص مال من صدقة»
(رواه مسلم).
فالبركة في ميزان الإيمان ليست حسابًا رقميًا فحسب، بل أثرًا ممتدًا في المال والنفس والمجتمع.
والزكاة تبني جسور الثقة بين طبقات المجتمع؛ فالفقير لا يشعر بالحقد حين يعلم أن له حقًا محفوظًا، والغني لا يشعر بالخوف حين يؤدي ما عليه.
إن بناء الإنسان لا يكتمل بتزكية الروح وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى عدالة في التعامل مع المال. فالمال إذا لم يُضبط بقيم، تحول إلى أداة فساد، وإذا وُجه بالمسؤولية صار وسيلة إصلاح.
رمضان يذكرنا بأن الرحمة في الإسلام ليست شعورًا عابرًا، بل نظام حياة يُترجم إلى حقوق وأفعال. والزكاة ليست عبئًا ماليًا فحسب، بل ميزان أخلاقي يعيد للمال وظيفته في إعمار المجتمع.
فهل نؤدي الزكاة كواجبٍ محدود، أم نراها جزءًا من رؤية أوسع تجعل المال أداة إصلاح لا سبب اضطراب؟
[٩‏/٣، ١٠:٣١ ص] محمد عثمان الشيخ النبوي: بهدوءٍ وتدبّر
بقلم: محمد عثمان الشيخ النبوي

رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (20 من 29): التكافل… هندسة الرحمة في المجتمع

لا يقوم المجتمع المتماسك على القوة وحدها، ولا على القوانين المجردة، بل على روح خفية تربط أفراده بعضهم ببعض. وهذه الروح في التصور الإسلامي اسمها التكافل.
فالتكافل ليس إحسانًا عابرًا، ولا مبادرة خير فردية فحسب، بل مبدأ حضاري يجعل المجتمع شبكة متساندة لا أفرادًا متجاورين.
قال الله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية تؤسس لقاعدة عامة في حياة المجتمع. قال الإمام الطبري: أمر الله المؤمنين أن يعين بعضهم بعضًا على طاعة الله والخير. وبيّن ابن عاشور أن هذه الآية تقيم مبدأ التعاون الاجتماعي الذي يحفظ توازن المجتمع.
وقد جسد النبي ﷺ هذا المعنى بأبلغ تصوير حين قال:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»
(رواه مسلم).
فالمجتمع في الرؤية النبوية ليس مجرد مجموع أفراد، بل كيان حي يتأثر بعضه ببعض.
وقال أيضًا ﷺ:
«ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه»
(رواه الطبراني وحسنه بعض أهل العلم).
فحاجة الفقير ليست مسألة اقتصادية فحسب، بل اختبار أخلاقي لضمير المجتمع.
وقد مدح القرآن أعلى درجات التكافل حين قال:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
فهذه مرتبة يتجاوز فيها الإنسان مجرد العدل إلى الإيثار.
وفي رمضان يزداد حضور هذا المعنى. تكثر موائد الإفطار، وتتحرك الصدقات، ويشعر الناس بقيمة أن يخفف بعضهم عن بعض. غير أن روح التكافل التي يتعلمها المسلم في هذا الشهر ينبغي أن تتحول إلى منهج دائم لا إلى موسم عابر.
وقد أشارت دراسات علم الاجتماع الحديثة إلى أن المجتمعات التي تتمتع بروابط تضامن قوية تكون أكثر استقرارًا وأقل عرضة للاضطرابات. لكن الإسلام سبق إلى ترسيخ هذا المعنى حين جعل التكافل عبادة يؤجر عليها الإنسان.
فالزكاة نظام، والصدقة مبادرة، والإحسان خُلُق، والتكافل هو الروح التي تجمع هذه المعاني في نسيج واحد.
إن المجتمع الذي يسود فيه التكافل لا يترك ضعيفه يسقط، ولا يترك حاجته تتحول إلى يأس. لأن القوة الحقيقية للمجتمعات ليست في ثروتها وحدها، بل في قدرتها على أن يحمل بعضها بعضًا.
رمضان يذكرنا أن الإنسان لا يعيش وحده، وأن الخير حين يتدفق بين الناس يتحول المجتمع كله إلى مساحة رحمة.
فهل يبقى التكافل عندنا لحظة موسمية في شهر رمضان، أم يتحول إلى ثقافة دائمة تبني المجتمع وتحفظ توازنه؟