إفطار اتحاد الصحفيين… تكريم من لا يستحقون وإغفال لقضايا المهنة الكبرى… وهل دُفع مبلغ الـ70 مليون جنيه؟
إفطار اتحاد الصحفيين… تكريم من لا يستحقون وإغفال لقضايا المهنة الكبرى… وهل دُفع مبلغ الـ70 مليون جنيه؟
بقلم: محيي الدين شجر
بعد غياب طويل لنشاط الاتحاد العام للصحفيين السودانيين عاد الاتحاد بقيادة نائب الرئيس الأستاذ محمد الفاتح ليقيم إفطاراً رمضانياً حضره عدد من الصحفيين الذين بقوا في بورت سودان ولم يعودوا للعاصمة، لأنهم ببساطة لا يملكون في الخرطوم التي عادت – بفعل الحرب – لا مسكناً ولا صحيفة ولا مطبعة. كما حضر الإفطار بعض السياسيين وعدد من الشخصيات العامة.
الإفطار كان حلو المذاق من جانب، لكنه مرّ المذاق في الإعداد والفقرات، وضعيف الطرح، كأنما الذي نظمه اتحاد مهنة أخرى غير الصحافة… وهذه مصيبة.
فالمناسبة الرمضانية والأجواء البديعة هذه الأيام في بورت سودان كانت توحي بأن يكون اللقاء فرصة حقيقية للحديث عن أوضاع الصحفيين بعد الحرب: رؤيتهم للمرحلة الراهنة، وكيف ينظرون إلى عودتهم إلى الخرطوم وممارسة مهنتهم، وكيف يمكن أن يستردوا وظائفهم ومؤسساتهم التي توقفت بفعل الحرب.
لكن الملاحظ أن الإفطار حشد بعض الوجوه السياسية التي نراها في معظم الإفطارات الرمضانية، وكنا نتوقع حضور شخصية محورية مثل وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم، خاصة وأن الحديث كان ينبغي أن يتجه نحو قضايا معاش الصحفيين ومستقبل مؤسساتهم.
كما فشل الاتحاد في تكريم الذين يستحقون التكريم، وأغفل شخصيات مهمة كان لها دور واضح في رعاية الصحفيين خلال فترة الحرب، وقام في المقابل بتكريم شخصيات لم نعرف لها إسهاماً مباشراً في دعم الصحفيين.
الاستثناء الوحيد – في تقديري – كان الأستاذ جمال عنقرة، الذي عبر النائب الأول ساهم في توفير سكن للصحفيات وبعض الصحفيين عبر المبادرة التي طرحتها الأستاذة مشاعر عثمان، وقام الأستاذ جمال عنقرة – مشكوراً – بتحويلها إلى واقع استفاد منه عدد مقدر من الصحفيين والصحفيات.
في المقابل كرم الاتحاد حبيبنا وصديقنا الأستاذ مجدي، مدير العلاقات العامة السابق ببنك الخرطوم، ولا نعرف له دوراً تجاه قضايا الصحفيين حين كان بالبنك غير مشاركاته في برامجهم الإعلامية، إلا إذا كان قد قدم شيئاً لا نعلمه.
كما استغربت تكريم مدير عام البنك الزراعي الجديد دون توضيح سبب هذا التكريم تحديداً.
هل جاء التكريم لأنه خلال حديثه في الإفطار وعد بتقديم مشروعات للصحفيين؟
كنا نتوقع – كما قال الزميل خالد تكس أن تكون للاتحاد لمسة وفاء للصحفيين الشهداء أو يكرم الزملاء المعتقلين حتى الآن في سجون المليشيا، في شخص الزميل طارق عبد الله الذي قضى فترة داخل المعتقلات، أو الزميل عبد الله البشير، أو غيرهم من الزملاء الذين اعتقلوا ودفعوا ثمن مهنتهم.
قلت للأخ محمد الفاتح قبل بداية الإفطار إن الإفطار الرمضاني ليس لإغراق المنبر بخطابات السياسيين، بل للحديث عن قضايا الصحفيين، خاصة وأن الاتحاد – ولأول مرة منذ ثلاثة أعوام – يقيم إفطاراً يجمع أهل المهنة.
لكن كعادة الفعاليات التي تقام في بورت سودان خلال هذا الشهر، تتم دعوة السياسيين وبعض الشخصيات، ويُسمح لهم بتكرار ذات الأحاديث التي سمعناها لسنوات طويلة، بينما يظل الواقع السياسي على حاله من التراجع والتقهقر.
وأنا أتحدث عن إفطار الاتحاد الرمضاني، أسأل أيضاً عن مصير الفاتورة التي قدمت للسيد مالك عقار نائب رئيس مجلس السيادة، والتي قام بتحويلها للفريق الغالي للتصديق عليها، والخاصة بتأهيل مقر للاتحاد بمكتبة بورت سودان.
هل تم التصديق عليها بالفعل وتم سداد المبلغ؟ أم لا؟ وهل المبلغ البالغ 70 مليون جنيه – إن تم تصديقه – سيذهب فعلاً لتأهيل مقر الاتحاد في بورت سودان، أم سيتم تحويله لاحقاً لتأهيل مقر الاتحاد بالخرطوم؟
نحن – وإن كنا قد عذرنا الاتحاد في الفترة السابقة لأنه كان موقوفاً عن العمل – فلن نجد له العذر الآن بعد أن عاد لممارسة نشاطه.
نحن نريده اتحاداً يتدخل بقوة في قضايا العلاج والمرض والظروف الخاصة التي يمر بها بعض الصحفيين، خاصة وأن كثيرين منهم فقدوا وظائفهم أو مصادر دخلهم بعد الحرب.
الصحفي السوداني اليوم يعيش واحدة من أقسى مراحل تاريخه المهني والإنساني. فالحرب لم تدمر المؤسسات فقط، بل ضربت المهنة نفسها في الصميم؛ صحف توقفت، مطابع أغلقت، ومئات الصحفيين وجدوا أنفسهم فجأة بلا عمل ولا مورد رزق. بعضهم نزح من الخرطوم بلا شيء سوى ذاكرته المهنية، وآخرون توزعوا في مدن الداخل والخارج يبحثون عن فرصة للبقاء قبل فرصة العمل.
في مثل هذه الظروف كان المنتظر من الاتحاد أن يجعل من إفطاره منصة حقيقية لطرح هذه المأساة المهنية والإنسانية:
كيف يعود الصحفيون إلى مؤسساتهم؟
كيف تعود الصحف إلى الصدور؟
وكيف يجد الصحفي الذي فقد منزله أو مصدر دخله دعماً حقيقياً؟
إن الاتحاد اليوم أمام اختبار حقيقي؛ فوجوده لا يقاس بعدد الفعاليات أو صور الإفطارات، بل بقدرته على أن يكون صوتاً حقيقياً للصحفيين في أصعب لحظاتهم.
الصحفيون الذين بقوا في السودان أو تفرقوا في المنافي لا يريدون خطابات سياسية مكررة، بل يريدون اتحاداً يقاتل من أجل حقوقهم: علاجهم، وظائفهم، وتأمين مستقبل مهنتهم التي كادت الحرب أن تعصف بها.
فالصحافة السودانية بعد هذه الحرب لن تعود كما كانت، وهذه حقيقة يجب الاعتراف بها. لذلك فإن مسؤولية الاتحاد ليست فقط إدارة الحاضر، بل المساهمة في رسم مستقبل المهنة نفسها؛ مستقبل يقوم على الشفافية، وعلى معرفة الصحفيين بمصادر الدعم وكيف يُصرف، وعلى أن تكون الأولوية دائماً للصحفي.
فالصحفيون الذين صمدوا في المهنة وسط هذا الخراب يستحقون أكثر من دعوة إلى إفطار…
يستحقون اتحاداً يقف معهم لا أمامهم.