*(أغاني أغاني) .. حين تتحول الاغنية الي مناجاة في العشر الأواخر وتذكرك الخالق*

 

عزيزي القارئ…
ربما يبدو العنوان غريباً بعض الشيء بل و ربما مستفزاً عند البعض .. كيف نتحدث عن أغنية في أيام هي من أعظم أيام العبادة في العام؟؟؟
أيام اصطفاها الله لتكون ختام شهر الرحمة .. أيام العشر الأواخر من رمضان .. حيث تكثر فيها الصلوات والدموع والدعوات ..
و معك كل الحق أيها القارئ الكريم .. نعم عودتك علي الكلام عن الاغنيات .. فهل يصح الحديث عن الاغنيات في مثل هذه الأيام .. فهذه الأيام ليست كسائر الأيام .. إنها أيام الخلوة مع الله .. وأيام الرجاء الكبير .. وأيام البحث عن ليلة قال عنها الله إنها *خيرٌ من ألف شهر*
ولذلك قد يظن البعض أن ذكر أغنية في هذا السياق نوع من الخروج عن روح هذه الأيام المباركة .. لكن دعني أحدثك بما حدث لي…

في أول أيام العشر الأواخر استمعت مصادفة إلى أغنية قديمة للفنان السوداني الكبير( أحمد المصطفى) رحمه الله من كلمات الشاعر (أحمد إبراهيم الطاش) .. و من اول كلمة شعرت بشيء يهتز في داخلي بقوة ثم وجدت نفسي أبكي بكاءّ حاراً لم يكن بكاء طرب ولا حنين .. و أحسبكم سوف تشاركوني البكاء .. لأنه بكاء تأمل حين ترتفع الكلمات من معنى الحب البشري المحدود إلى معنى أوسع وأعمق .. معنى الحب الأعظم .. حب الله .. الخالق للكون و ما فيه ..تأمل معي هذه البداية البسيطة العميقة :-
*يا عظيم… يا عظيم*
*أنت في القلب مقيم*
*و بآلامي عليم*
أي جمال في هذه المناجاة ؟؟
وأي صدقٍ في هذا الاعتراف ؟؟
أن يكون الله هو المقيم في القلب .. و أن يكون وحده العليم بكل ما نخفيه من أوجاع لا يراها الناس ..
وفي زمن يمتلئ بالتشرد والحروب والقلق والمنافي والضيق والكدر والمرض .. حينها يدرك الإنسان أكثر من أي وقت مضى أن قلبه لا يجد الطمأنينة إلا حين يتجه إلى الله ….
ثم تأتي صورة شعرية رقيقة كنسيم الفجر :-
*فنسيم الصبح ينبيك بوجدي المستديم*
*و غرامي يا عظيم*

ما أجملها من لحظة .. وقت السحر حين ينام الناس .. ويستيقظ القلب .. ذلك الوقت الذي وصفه الصالحون بأنه وقت مناجاة الأحبة .. حين يقف الإنسان بين يدي ربه في سكون الليل يبث شكواه وهمومه ويقول ما لا يستطيع قوله لأحد .. و في تلك اللحظات تحديداً يشعر الإنسان أنه أقرب ما يكون إلى الله ..
ثم تبلغ الكلمات ذروة الألم الإنساني الصادق :-

*منك دائي يا طبيب*
*هل لشكواي تجيب*
*تنقذ القلب الكليم*
*فهو دامي يا عظيم*
كم من قلب جريح يمشي بين الناس ولا يشعر به أحد؟؟؟
كم من إنسان يبتسم للناس بينما قلبه يئن في الداخل؟؟
وهنا يقف الإنسان أمام حقيقة كبرى :-
أن الله وحده هو الطبيب الحقيقي للقلوب والامراض
هو الذي بيده الداء وبيده الدواء .. و هو الذي يعلم خفايا الصدور قبل أن تُنطق بها الألسن .. أن الله وحده
هو الذي يعلم الجرح قبل أن نبوح به .. و يعلم الدعاء قبل أن ننطق به .. و يعلم الدموع قبل أن تسقط من أعيننا .. و في العشر الأواخر من رمضان يفتح الله أبوابه و ليلة واحدة ربما فيها قد تتغيّر حياة إنسان كاملة .. و لذلك حين تأملت هذه الأغنية بكيت و لم أعد أسمعها كقصة حب بين شخصين .. بل كأنها مناجاة روح لخالقها .. كأن القلب يقول :-
يا رب ..أنت في القلب مقيم .. و بآلامي عليم ..

وفي النهاية لا بد أن نتذكر الحقيقة التي لا جدال فيها
العظيم هو الله .. العظيم في قدرته .. العظيم في رحمته .. العظيم في حلمه على عباده رغم تقصيرهم ..
وفي هذه الليالي المباركة لا نملك إلا أن نقول :-
يا رب .. إن كانت قلوبنا قد أتعبتها الدنيا .. فليس لها ملجأ إلا إليك ..
*يا عظيم… يا عظيم*
*أنت في القلب مقيم*
*و بآلامنا عليم*
اللهم اجعل لنا في هذه العشر الأواخر نصيباً من رحمتك .. و نصيباً من عفوك
ونصيباً من نورك الذي يداوي القلوب .. فلعل دعوة صادقة في جوف الليل ..
تفتح باباً من الفرج لم نكن نعلم بوجوده .. فنساله تعالي اللطف بنا و بأهل السودان الابرياء الاتقياء وكل عبادك يا رب….

دعني عزيزي القارئ أهمس لك في الختام ربما كتب الشاعر (أحمد إبراهيم الطاش) هذه الكلمات وهو يخاطب محبوباً من البشر وغناها الفنان الكبير (أحمد المصطفى) في سياق أغنية من أغنيات العاطفة والجمال .. لكن الكلمات الصادقة لها قدرة عجيبة على التحول والارتقاء ..
فالكلمة إذا خرجت من قلب صادق قد تعبر حدود الزمان والمعنى وقد تجد في قلب مستمع آخر معنى لم يخطر حتى على بال كاتبها .. و هكذا سمعتها أنا في هذه الليلة المباركة .. لم أسمعها حديث عاشق لمعشوق .. بل سمعتها كأنها صوت روح تتجه إلى خالقها .. تناجيه في سكون الليل وتقول :-

*يا عظيم… يا عظيم*
*أنت في القلب مقيم*
*و بآلامي عليم*
وفي العشر الأواخر من رمضان تحديداً تتخفف القلوب من ضجيج الارض .. وتصبح أقرب إلى السماء ..
تغدو الدعوات أكثر صدقاً .. والدموع أكثر نقاءً ..والرجاء أكبر من كل الخيبات .. فإن ضاقت بك الدنيا يوماً .. و إن أثقلتك الهموم .. و إن شعرت أن قلبك لم يعد يحتمل المزيد .. فانتظر ساعة السحر .. ارفع يديك إلى السماء و قل من أعماق قلبك :-
يا رب… يا عظيم…
أنت في القلب مقيم…
وبآلامي عليم ..
فما من قلب طرق باب الله صادقاً إلا فُتح له ..و ما من دمعة سقطت بين يديه إلا علمها .. و ما من دعاء خرج من قلب منكسر إلا رفعه الله إلى السماء .. و لعل دعوة صادقة في إحدى هذه الليالي تكون هي الفرج الذي انتظرته طويلاً .. فالله
هو العظيم .. و هو جل جلاله السلام فسلام و سلام يارب الانام

سلام
محمد طلب
20 رمضان 9/3/2026
mtalab437@gmail.com