هل يخشى صُنّاع القرار امرأة قوية؟… لماذا مريم الهندي هي الأجدر بمقعد السيادي

هل يخشى صُنّاع القرار امرأة قوية؟… لماذا مريم الهندي هي الأجدر بمقعد السيادي
بقلم: محيي الدين شجر
بعد أن خلا مقعد السيدة سلمى عبد الجبار في مجلس السيادة الانتقالي السوداني عقب استقالتها، بدأت دوائر الترشيح والتحليل السياسي تبحث عن الاسم الذي يمكن أن يملأ هذا الفراغ في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ السودان. وفي خضم هذه الترشيحات، برز اسم المهندسة مريم الهندي بوصفها من أقوى المرشحين، إن لم تكن المرشحة الأولى بالفعل.
ليس لأن اسمها طُرح في المجالس السياسية ، بل لأن سيرتها وتجربتها على الأرض تقول ذلك بوضوح.
في الوقت الذي غادر فيه كثيرون البلاد عقب اندلاع الحرب واستقر بعضهم في القاهرة وإديس أبابا وكمبالا واسمرا وغيرهم من العواصم، اختارت مريم الهندي طريقًا مختلفًا تمامًا. لم تغادر السودان. بقيت داخل الوطن في أصعب فتراته، متنقلة بين المدن والولايات. من الخرطوم إلى الجزيرة، ثم الفاو، فالقضارف، فكسلا، وصولًا إلى بورتسودان. كانت تتحرك بين الناس لا بين الفنادق، وبين معاناة المواطنين.
وهذا وحده كافٍ ليقول الكثير عن معدن هذه المرأة.
قبل أيام التقيتها في مناسبة دبلوماسية ببورتسودان فقد علمت، بدهشة صادقة، أنها وصلت إلى المناسبة بـ”ركشة”. نعم… ركشة. وتعيش في حي متواضع كبقية الناس. لا موكب سيارات فارهة، ولا مظاهر سلطة، ولا حواجز بين المسؤول والناس.
عندها فقط أدركت أن الحديث عن النزاهة والتواضع لا تُكتب في السير الذاتية.
فهذه المرأة – رغم انحدارها من أسرة عريقة – تعيش كعامة الشعب، وتتحدث بتلقائية، ولم تُعرف عنها شبهة فساد أو استغلال نفوذ. بل على العكس، ظلت لسنوات تقدم رؤى سياسية واقتصادية وتشارك في المبادرات الوطنية، من تخطيط ولاية الخرطوم الاستراتيجي إلى تنظيم المؤتمر الاقتصادي، إلى مبادرات المصالحة الوطنية قبل الحرب وبعدها.
إنها امرأة مثقفة، مؤهلة علميًا، تجمع بين الهندسة والإعلام والتخطيط الاستراتيجي، ولها حضور سياسي واجتماعي واضح. ومع ذلك، لم تنتمِ إلى حزب سياسي يملي عليها مواقفها، رغم أن جذورها العائلية مرتبطة تاريخيًا بالحزب الاتحادي.
وهنا يبرز السؤال المؤلم:
لماذا تُقصى الكفاءات أحيانًا في اللحظات الحاسمة؟
لقد تعرضت الأستاذة مريم الهندي لظلم واضح حين استُبعد اسمها في اللحظة الأخيرة من منصب وزير شؤون مجلس الوزراء، فقط لأن البعض افترض – دون تدقيق – أنها تنتمي للحزب الاتحادي. فتم استبعادها، واختيار لمياء عبد الغفار بدلًا عنها.
ذلك القرار لم يكن مجرد تغيير أسماء، بل كان نموذجًا لكيفية ضياع الفرص حين تُدار الدولة بالشبهات لا بالمعايير.
واليوم، بعد شغور مقعد السيادي، تبدو الفرصة سانحة لتصحيح ذلك الخطأ.
لقد سئم السودانيون من اختيار الضعفاء، ومن تدوير نفس الأسماء التي لا تحمل مشروعًا ولا رؤية. ما يحتاجه السودان اليوم ليس مجرد شخص يجلس في مقعد سيادي، بل شخصية قادرة على تمثيل الناس، وفهم آلامهم، والتحدث باسمهم بصدق.
السودان بحاجة إلى قيادات خرجت من بين الناس،.
ومريم الهندي تمثل هذا النموذج بوضوح. فهي ابنة منطقة الوسط، تنتمي اجتماعيًا إلى مناطق مثل ود النورة والسريحة، وتحمل هموم تلك المجتمعات التي دفعت ثمن الحرب والنزاعات.
إن اختيار امرأة قوية، مستقلة، نظيفة اليد، ذات تجربة سياسية وفكرية واضحة، سيكون رسالة بأن السودان بدأ أخيرًا يختار الكفاءة لا الولاء.
فالسؤال الحقيقي اليوم ليس:
هل تستحق مريم الهندي هذا المنصب؟
السؤال الحقيقي هو:
هل يملك صناع القرار الشجاعة الكافية لاختيار امرأة قوية؟
لأن التاريخ يعلمنا شيئًا واحدًا:
الأمم التي تتجاهل الكفاءات في لحظاتها المصيرية… تدفع الثمن لاحقًا.