حكومة ظالمة / “ملايين لسكن الموظفين… ومواطن الخرطوم: اشترِ شباك بيتك المنهوب بنفسك!”
“ملايين لسكن الموظفين… ومواطن الخرطوم: اشترِ شباك بيتك المنهوب بنفسك!”
بين دعم الموظفين وترك المواطنين لمصيرهم
بقلم: محيي الدين شجر
في الوقت الذي يصدر فيه قرار من وزارة المالية يقضي بدعم سكن العاملين بالهيئات والشركات الحكومية بمبالغ شهرية تصل إلى خمسة ملايين جنيه لبعض الفئات الوظيفية، يخرج ذات الوزير بتصريحات صادمة لمواطني الخرطوم الذين نهبت منازلهم ودمرت ممتلكاتهم، مفادها أن على المواطن أن يشتري “شباكًا” لمنزله المنهوب ويقوم بتركيبه بنفسه، وأنه لا تعويضات في الأفق للمتضررين.
هذا التناقض الصارخ يطرح سؤالاً مشروعًا: بأي معايير تُدار الدولة اليوم؟
ففي إطار تنفيذ موازنة العام 2026م وقرار مجلس الوزراء رقم (54) لسنة 2025م، قررت وزارة المالية تقديم دعم سكني شهري للعاملين في الهيئات والشركات الحكومية يتراوح بين خمسة ملايين جنيه وثلاثة ملايين ومليونين وحتى مليون جنيه للعمال. وهو دعم كبير في ظل الأوضاع الاقتصادية القاسية التي يعيشها السودان. لكن المشكلة ليست في دعم الموظفين في حد ذاته، فالعاملون في الدولة يستحقون حياة كريمة، بل المشكلة تكمن في غياب العدالة في توزيع الأولويات.
فالخرطوم التي تدعو الحكومة مواطنيها للعودة إليها اليوم ليست هي الخرطوم التي غادروها. إنها مدينة منهوبة البيوت، مدمرة الخدمات، خاوية من مقومات الحياة الأساسية. آلاف الأسر فقدت كل شيء: منازلها، أثاثها، مصادر دخلها، وحتى ذكرياتها. ومع ذلك، تطلب منهم الحكومة العودة، ولكن دون أن تقدم لهم الحد الأدنى من الدعم الذي يمكن أن يعينهم على الوقوف مجددًا.
ما الذي يعنيه أن يُطلب من مواطن عاد ليجد بيته بلا أبواب ولا نوافذ ولا أثاث، أن يبدأ من الصفر تمامًا، بينما يرى الملايين تُصرف في بنود أخرى؟
لقد قالتها المهندسة مريم الهندي بوضوح على الدولة إن تعوض المواطنين و أموال المليشيا حق لهم ..
ما الرسالة التي تبعثها الدولة لمواطنيها حين تقول لهم عمليًا: “أعيدوا بناء حياتكم بأنفسكم”؟
إن إعادة إعمار المدن لا يمكن أن تتم دون إعادة إعمار الإنسان أولاً. فالمدن ليست جدرانًا فقط، بل هي سكانها وحياتهم اليومية. وعندما يشعر المواطن أن الدولة تخلت عنه في لحظة ضعفه، فإن الثقة بين الحاكم والمحكوم تتآكل بسرعة.
الأكثر إثارة للحيرة أن الحكومة لا تكتفي بعدم تقديم الدعم، بل تمضي في الوقت نفسه في الدعوة الملحّة لعودة المواطنين إلى الخرطوم. عودة إلى ماذا؟
إلى بيوت مدمرة؟
إلى أحياء بلا خدمات؟
إلى مدينة فقدت مقومات العيش؟
إن الدعوة إلى العودة دون توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة تبدو وكأنها دعوة لتحمل المعاناة لا أكثر.
الكثير من المواطنين ما زالوا في مراكز الإيواء، ليس لأنهم يرفضون العودة إلى منازلهم، بل لأنهم ببساطة لا يملكون ما يعودون إليه. لقد فقدوا كل شيء، ولا يمكن لأي أسرة أنهكتها الحرب أن تبدأ من الصفر دون أي دعم.
والأدهى من ذلك أن السياسات المالية الحالية تعطي انطباعًا بأن الحكومة ترى المواطن مجرد مصدر للرسوم والجبايات، لا شريكًا في الوطن. وكأن المطلوب منه أن يعود ليعيد تشغيل عجلة الجبايات، لا ليعيد بناء حياته.
إن حكومة رئيس الوزراء كامل إدريس، التي علق عليها كثير من السودانيين آمالًا كبيرة، مطالبة اليوم بإعادة النظر في أولوياتها. فالدولة التي تقف إلى جانب موظفيها يجب أن تقف أيضًا – وبنفس القدر – إلى جانب مواطنيها المنكوبين. بل إن دعم المواطن المتضرر ينبغي أن يكون أولوية أخلاقية ووطنية قبل أي بند آخر.
لا أحد يطالب بالمستحيل، ولكن الحد الأدنى من العدالة يقتضي وجود برامج واضحة لتعويض المتضررين، أو على الأقل تقديم دعم يساعدهم على إعادة تأهيل منازلهم وبدء حياتهم من جديد.
أما أن يُترك المواطن لمصيره، ويُطلب منه في الوقت نفسه أن ينهض وحده من تحت الركام، فذلك أشبه بمن يرمي إنسانًا في الماء ثم يقول له: إياك أن تبتل.
إن الأوطان لا تُبنى بالقرارات المالية وحدها، بل تُبنى أولًا بالعدالة والإنصاف والشعور بأن الدولة تقف مع شعبها في أوقات الشدة.
وإلا سيظل السؤال المؤلم يتردد في صدور السودانيين:
يا وجعي على وطنٍ يُطلب من أبنائه أن يعمّروه، بينما لا يجدون من يعمر حياتهم.